(أمّ التّلاواتِ)

 

(أمّ التّلاواتِ)

ـ هشام باشا


هشام باشا (36)
حينَ يَحْكي العراق

في وفاة شريكة الشعر، زيجة القاموسّ الشعري العظيم: الدكتور عبدالعزيز المقالح،
تَقَدّمتُ بهذه السطور التي كتبَها عجزي عن التعبير في هذا المصاب العظيم، والتي ألقيتها اليوم في ديوان العزاء، ونصفي حزنٌ ونصفي حياء.

 

لَمْلِمي شَعْثَكِ يا كُلَّ اللّغاتْ،
وإلى آخرِ فَصْلٍ
مِن فُصُولِ الصّمْتِ جِيْئي،
بهُدوءٍ
بهُدوءٍ
إنّ بَلُّورَ المَرايا
مُتْعَبُ الجُمْلَةِ والمَعنى،
مُصَابًا بالنُّتوءِ،

فارغًا مِنهُ، مَليئًا بالسّؤالاتِ
عن الأمْسِ المَليءِ
وعن الأمْسِ المُضِيءِ

ومُحاطًا بالإجَاباتِ التي تَدْخُلُ
سِرًّا مِن شَبابيكِ الهُدوءِ
تَخْنُقُ المُلْقى على وَحْشَتِهِ
لَيْلًا وتَمْضي بهُدوءِ

*****
فارَقَتْ رُوحَكِ رُوحُ اللّهِ
يا دُنيا فنُوئي
حَدّثي شَمْسَكِ قُولي:
إنّهُ صارَ سَواءً أنْ تَغيبي
أو تُضيئي

رَحَلتْ أُخرى البَراءاتِ ولكنْ
آلَمتْ آخرَ ما في الأرضِ
مِن قَلْبٍ بَريءِ

أضْمَرَتْ آخرَ ثَغْرٍ مِن ثُغُورِ البَسماتْ،
أسْكَتْ آخرَ حَرْفٍ في فَمِ الكَونِ
وفي ثَغْرِ الحَياة،

أوْقَفَتْ أُغْنيةَ الشّارعِ تَبْكي،
وخُطى الشّارعِ
عَمْياءَ النّوايا والجِهاتْ
أينَ يا أينَ ذهابي
ومَجيئي

إنّ بَلُّورَ المَرايا فَقَدَ البَّلُّورَ
أضْحى فَجْأةً يَبْحَثُ في كُلِّ الزَّوايا
عن بَقايا…
والبقايا تَجْرَحُ اليَوْمَ بتأريخِ النُّشوءِ

وبذْكرى كُلِّ لَيْلٍ
فَرَشَ الحُبُّ على الأرضِ سَماءَهْ،
وحَديثٍ لَخَّصَ الأُفْقَ
وأبْدَى مِنهُ قِندِيلَ إضَاءةْ،
وبذْكرى كُلِّ صُبْحٍ
سَكَبَ القْهْوةَ في كأسِ القِراءةْ،

كَم هو المَوتُ جَريءٌ، أوْجَعَ المِحْرابَ
في أنْقى وأزْكى الصَلَواتْ،
فَجَعَ الإسْلامَ في أنْقى وأزْكى المُسلِماتْ،
طَعَنَ الإيمانَ في آخرِ قَلْبٍ مِن قُلُوبِ
المُؤمِناتْ،

كَم المَوتُ جَريءٌ،
عَطّلَ العالمَ مِن أزْهى الصَّباحاتِ
وأنْدى الأغْنِياتْ،
عَطَّلَ القَامُوسَ مِن أحْلى وأجْلى
الكَلماتْ،

كَم هوَ المَوتُ جَريءٌ،
أَفَقَدَ الشّعْرَ شِريكًا وحَبيبا،
ورَبيبَ الابْتهالاتِ رَبيبا،
والسّماواتِ قَريبا،

كَم هوَ المَوتُ! ولكنْ قُلْ: عَزائي
أيها الباكي على آخرِ أعلامِ النّساءِ
أنّ أرواحَ السّماواتِ تَنادَتْ للِقاها،
ولها كُلُّ سَماءٍ هَتَفتْ مِلْءَ فَضاها
فَسَماءٌ… مَرْحَبًا أُمَّ التِّلاواتِ
وأُخْرى… مَرْحَبًا بِنْةَ الوَضُوءِ
وهَنيئًا لكِ بالفَوزِ الهَنيءِ
وعَزاءً يا رَبيبَ الابتهالاتِ على
هذا الرّزيءِ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*