سامي الشاطبي.. اتحاد الأدباء انتهى!

 

سامي الشاطبي.. اتحاد الأدباء انتهى!

 

– حاوره: ضياف البرّاق

كاتب يمني مكافح دومًا، أنيق الروح والفكر معًا، يقرأ كثيرًا ويعمل كثيرًا. وهو – أيضًا- كثير الهدوء، كبير الهدف؛ ويكتب بلغة عذبة تكاد تجمع بين العمق واليسر في آن واحد بحيث تليق بكل القراء، وينحاز بقلبه وقلمه إلى الفئات المهمشة في المجتمع، وهكذا يرتقي هذا الإنسان الجميل.

سامي الشاطبي (40 سنة) ، قاص ورائي وكاتب سيناريو متألق، أظنه يمقت هاجس الشهرة، فهو ذلك الرائع المتواضع الذي يُفضِّل البساطة في أغلب الأمور؛ إذ يناضل على الدوام لتحقيق حياة أنيقة للجميع، كما ينشط في اتجاهات فكرية وإنسانية عديدة، فقد صدر له حوالي (10) مؤلفات في المجال الأدبي، وفي المجال الدرامي لديه الكثير من الضوء والنجاح.

 

 

– معظم البدايات تكون حافلة ومكتظة بالمعاناة والوجع خاصة تلك التي يمر بها الإنسان المبدع في البلدان التي ترزح تحت بشاعة الحكومات المستبدة والفاسدة والتي لا تعبأ أبدًا بهموم وأحلام المبدعين، بل تهمشهم وتحاربهم إن تطلب الأمر إلى ذلك. على ضوء ما سبق، يجدر بي أن أسألك عن بدايتك: كيف كانت؟ وما الذي استفدته منها؟

 

نشأتُ في غرفة صغيرة مع 9 إخوة، كنا نتقاسم الغرفة سنتي سنتي ..وحين تحسنت أحوال والدي انتقلنا لمنزل أفضل وأوسع ..ثلاث منزلقات هامة أدت بي إلى الالتصاق بالسرد كما يلتصق الطفل بحلمة أمه.. إن تجاوزت من المنزل الأول لم أكن لأتجاوز الثاني وخاصة الثالث لأنني كنت سأنزلق إليه ..فماذا تحت المنزلق ..قصص وروايات حقيقية عن فئة من المجتمع فئة مهمشة ومحقرة ولا يذكرها أحد ..فهم ليسوا مثل المهمشين لهم منظمات ومؤسسات تحميهم وتفهم كوني تجاه قضيتهم ففئتي لا يعترف بها أحد وهي فئة المهجنين (المولّدين) من أبٍ يمني وأم إفريقية، خاصة أثيوبية، بسبب علاقة الرحم التي تربط اليمن بأثيوبيا من حيث الأم ..نتجت أجيال منذ العام 1938م وحتى اللحظة من أب يمني وأم أثيوبيا ..تتميز هذه الأجيال بأن لها سمات جسدية هي خليط من السمرة ، وأخرى فكرية هي خليط من الإرث الفكري للأب اليمني والإرث الفكري للأم الأثيوبية. هل نحن أمام إرث فكري وسمات جديدة هي نتاج إرثين وسمتين اندمجتا من مجتمعين ..قد أكون محقًا لكن الحقيقة أن هذه الأجيال تعاني المرارة وتتعرض لصنوف القهر والإذلال من المجتمع اليمني والأثيوبي أو بوصف موسع كما ورد في روايتي «أنف واحد لوطنين»: ” أنا، إذَن مولّد.. في اليمن ربما الِبَعْض من اليمنيين لا يعلم ما تعني “مولّد”، وربما الِبَعْض الآخر سيسخر مني ويهزأ باعتبار أن لا فرق بين المولّد وبين الحبشي.. الكل يجتمعان في سلّة سوداء واحدة!!

أنا إذن مولّد .. في أثيوبيا ربما البعض من الأثيوبيين لا يعلم ما تعني “كلس” ترجمة لـ”مولّد” وربما البعض الآخر سيعلن عن دهشته مستغربًا باعتبار أن لا فرق بين المولَّد واليمني ..الكل يجتمعان في سلّة بيضاء واحدة!!

ــ هل نحن أمام صراع ألوان؟

لا أدري ..لكن ما أدريه بأن المولّد مخلوق نصف شبحي يسمّى في تعاريف الفلاسفة  “إنسان” وفي تعاريف الجهلة “نصف إنسان” من أب يمني وأم أفريقية، وهي صفة لازمته طيلة الخمسين العام الماضية، والموصوف عاش حياته مشتتًا بين هويتين كلاهما لا تعترفان به!.”

بالمجمل هذه قضيتي الأساسية هي نقل قصصهم الموجعة سواء في أثيوبيا أو اليمن ..لدي كنز كبير من القصص الساحرة والمدهشة ..سنوات من الهجرة والاغتراب الخارجي والداخلي ..كثير كثير من معاملات الدونية التي يتعرضون لها ..شاهدت بعيني في العام 1993م أحد المهجنين المولدين وكان يعمل سائقا بسيارة قديمة ومتهالكة وهو يدهس بسيارة مرافق لشيخ قبلي لأنه طلب منه انتظار دوره لتعبئة البترول ..ترجل المرافق ووجه كومة اللعنات التي تُحقِّر من كونه مولدًا: أي من أم أفريقية عبده ..حاول السائق تجنب المرافق ولكن المرافق عاد لسيارته ودهسه وهو يردد “أنت مولّد.. ما لك حتى “دية”!.

 

– من خلال قراءتي وجدتُ أن الجميل في كتاباتك السردية أنها ذات نزعة إنسانية، كما تجمع بين العمق واليسر، لكنها موغلة كثيرًا في الوجع، ما السبب؟

– ككاتب.. أنا مسلوب الإرادة تجاه الطريقة التي أكتب بها ..ذكرت في البداية أن قضيتي محددة .. قطعت شوطا كبيرًا في إيصال أصواتهم على المستوى الداخلي والخارجي حتى إن الباحثين الأجانب حين كانوا يطلعون على أعمالي يستغربون من فئة مضطهدة ومقموعة مجتمعيًا .. أصواتهم كانت وما زالت أصوات تحمل الكثير من الحزن الذي أوصله بلغة تعتمد على الواقعية السحرية للقارئ ..وكارثة لغتي الواقعية السحرية أنها تدفعك رغم كم هذا الحزن الواقعي للضحك من أعماقك ..ليست مهمتي أن أزرع أحزانًا أخرى فوق أحزانك. مهمتي محددة وتتمثل في أوصل لك رسالتي التي آمنتُ بها من دون أن أقذف بك لعوالم الحزن ..أجر جرك ..نعم ..إذا صعدت قاربًا في الرواية مثلًا قد أشعرك بأنك والقارب قد تغرقان لكن ثق لن تغرق في البحر ولا في الحزن حتى وإن غرق القارب ..ثق بأنك تنجو ..تنجو لسبب بسيط هو أن تكمل بقية حياتك من دون أن تجرح أو تضطهد أو تتعامل بدونية مع المولدين !

 

– من خلال مطالعتي ومتابعتي لمنشوراتك الفيسبوكية ، كانت – ذات مرة- قد لفتتني هذه الكلمات المؤلمة جدًا؛ التي عبّرتَ بها عن نفسك ” يبدو لي بأن العوالم خطأ وأنا اختصار لهذا الخطأ. يبدو لي بأن نظري يمسح الطريق مشوشًا إلا مني. يبدو لي بأني مجرد حكاية قصيرة بإمكان كاتب مثلي أن يكتبها في أسطر على ساحل التشرد والضياع!”. إلى أي مدى بلغت علاقتك بالوجع؟

أي وجع ؟ هذا مقطع من روايتي «كائنات خربة، 2003م» على لسان البطل ولكني لم أشر إلى أنها مقطع من الرواية.

 

– ماذا يعني لك الحب؟

في صغري أحببت صبية فقلت لها وأنا أرتجف خوفًا: “أنا أحبك”. ردت ببراءة ذلك الزمن الجميل : “وأنا ما دخلي”!! هل ذلك الزمن مازال حاضرًا الان؟ الإجابة متروكة لك!

 

– يبدو للبعض أنك تميل إلى التصوف أو تكاد؛ هل هذا صحيح؟ وكيف تنظر إلى مسألة التصوف في ضوء الحداثة؟

انتخبت كمسؤول إعلامي في رابطة التصوف المعرفي والتي مقرها الرئيس في موريتانيا قبل عدة أعوام ..لا يعني بأني متصوف بل يعني بأني أحب أن أكون بقربهم ..التصوف طريق واحد وأعتقد بأني أحب أن أسير  عابرًا كل الطرق !

 

– أراك مغرمًا بالطبيعة والتأمل العميق في مشاهدها وسواحلها وألغازها، لماذا؟

الطبيعة ..هي مكون هام من مكونات الرواية ..تصور رواية من دون طبيعة..!

 

– في منشور سابق لك، تقول فيه على نحو يميل للغضب ” يدّعون أنهم مدنيون، وهي منهم بعيدة”. مَن هؤلاء؟

كتّاب المدن الإسمنتية أرواحهم وقلوبهم مثل تلك المدن (إسمنتية). عليهم أن يزيلوا الإسمنت بالقراءة المكثفة والانتقال ولو لفترات إلى القرى أو السواحل.. لحظات من تأمل الطبيعة اللا إسمنتية أحيانا تكفي لأن يزول الاسمنت من أرواحهم. لست واثقًا من تخريجتي تلك ..ولا أدري حقيقة.

 

– ماذا عن الكاتب الذي “يكتب أكثر مما يقرأ”؟

هذا النوع من الكتْاب يشبه الذي يكتب سيرته الذاتية ويطبعها بعدة عناوين مع اختلافات طفيفة في تراكيب الحروف تحت مسمى روايات ..!!

 

– برأيك ما هي أزمة المثقف في مجتمعنا اليمني؟

أزمة كلمة كبيرة ولا تليق بالمقام ..بل ثمة محنة حقيقة تتمثل في أن المثقفين هم قلة في البلد وربما بعدد أصابع يدك…لكن تخصيصًا الشعراء فهم كثر وكتاب القصة أيضًا والرواية ..هذه ظاهرة صحية وطيبة ..يمكن أن يدور النقاش حول الشعراء مثلًا، أو كتّاب القصة أو كتاب النقد لأن لهم حضور كبير ومؤثر. لكن المثقف فهم في الحقيقة لا يزيدون عن عدد أصابع يدك وربما أصابع يدي أيضًا.

 

– كونك أحد أعضاء (اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين)، كيف تقرأ لنا وضع هذا الاتحاد في ظل الحرب الراهنة؟ إلى أين يمضي هذا الاتحاد؟

اتحاد الأدباء انتهى ..والمؤشرات غياب تام لقياداته ..ومقراته تتعرض للنهب سواء في (عدن وذمار وإب والحديدة..)، كنا قد اقترحنا في انتخابات أمانة الاتحاد في المؤتمر العام السابع عام 2005 أن تضاف فقرة للنظام الأساسي تنص على أن توزع كل ممتلكات الاتحاد على الأعضاء في حل حلة لكونه المؤسسة الثقافية الأم ..كنت على حق في ذلك لأن ما يتعرض له الاتحاد الآن يثبت بأن ممتلكاته ستوزع على قطاع الطرق ونهابة الأراضي بدلًا من أن توزع على الأدباء !

 

– سامي الشاطبي، أيضًا هو مُدرّب وكاتب سيناريو متألق ومتمكن، وله قفزات محترمة في هذا الميدان المُهِم (كما يقول البعض)؛ ترى ما هي قضيتك هنا؟ وما الذي قدمته حتى اليوم؟

السيناريو مصدر رزقي، سواء عبر الإذاعات أو التلفزيون ولا أود أن أخلط السيناريو بالسرد.  السيناريو مصدر رزقي ومصدر الرزق أحيانًا يدفعك لتحويل أفكار تافهة إلى سيناريوهات سواء إذاعية أو  تلفزيونية أو كتابة حلقات برنامج مقدمه بليد ومخرجه غبي أو كتابة سيناريوهات وخاصة الإذاعية سيناريوهات دعائية أو توعوية لقضايا بيئية أو صحية في اطار درامي ..يعني ماذا تريد من حلقة إذاعية أو فلاش تلفزيوني يدعوك لعدم شراء الكماليات والاكتفاء بالضرورات في مجتمع فقير أصلًا. ماذا تنتظر من فلم قصير هو مخصص لحفل تخرج طلبة أو فلم مخصص للتعريف بمؤسسة خيرية ؟ نعم الأفلام الوثائقية أجد فيها نوعًا من السرد وهي محببة لدي ولدي فيها أعمال كثيرة أهمها رحلة قدم والذي عرض في قنوات كثيرة ومتوفر في النت.

– ألم تجرِّب كتابة الشعر؟

لا، لم أجربه نهائيًا ولا أود الخوض كثيرًا في هذا الموضوع.

 

– هل أنت راضٍ عن كتاباتك القصصية والروائية؟ ثم، إلى أي مدى أنت واثق من نفسك؟

– أكيد، راضٍ جدًا ومواصل ولا يبدو بأني سأتوقف.

 

– كيف ترد عندما نسألك عن القراءة والكتابة؟

القراءة ضرورة للجميع والكتابة ضرورة لمن يحمل القضية شرط أن ترتبط القراءة بالكتابة ..وإلا كما أخبرتك سابقا ستكون كتبه نسخ تشبه بعضها البعض.

 

– إلى أي سبب يرجع اِهتمامك الشديد بالقاص والروائي اليمني الفذ “محمد عبد الولي”؟ هل أعطت وزارة الثقافة اليمنية لهذا الكاتب الفذ حقه على النحو الذي ينبغي؟

لا، لست مهتمًا به، إنما تناولته في عدة مقالات كما تناوله غيري، ووزارة الثقافة خصصت له موقعًا إلكترونيًا بالإضافة الى أنها طبعت كامل أعماله عبر الهيئة العامة للكتاب إبان رئاسة أ. عبد الباري طاهر.

 

– ألا تشعر بالقلق والإحباط إزاء هذا الواقع المرعب، السيء كثيرًا؟

لا، لا أشعر بأي قلق.

 

– ماذا تقول في نهاية هذا اللقاء الذي شرّفني بك  كثيرًا؟

– في العادة ليست ثمة نهاية؛ لأن لكل نهاية كما يقال بداية ووسط ونهاية.. مازلنا في الوسط وأظن بأننا بقرب النهاية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*