وجدي الأهدل .. الكاتب الكثير المختلف

 

وجدي الأهدل .. الكاتب الكثير المختلف

– حاوره : ضياف البرّاق

خاص : منتدى الحداثة والتنوير الثقافي .

 

قابلتُه على نحو بسيط، لا يليق، فاستقبلني بسرور وتواضع جمّين ، كما راح يغمرني بالجمال والحب لدرجة مدهشة شعرتُ معها بأنني أمام قامة إنسانية نادرة، وهو إنسان عظيم بالفعل، لا يبتذل المعاني في حضوره أو في إيماءاته،  وليس عندي لغة ناضجة لأسرد لكم جمال وبساطة هذه الشخصية الفريدة جدًا، فالحديث هنا لا يكفي، بل لا ينتهي .

كاتب مُكتمِل من الطراز الحداثي الرفيع (في تقدير البعض)، يتمتع بفرادة أدبية لافتة تميّزه عن غيره، لا ينقطع عن القراءة والتأمل، مثقف حقيقي واسع، نظيف السلوك والنبض، متمرّد يمقت بواعث الشهرة، وكثير الإنسانية والكفاح . طوال اللقاء أخذ يطربني ويحدثني على نحو اِستثنائي ، الإيجاز في الكلام شيءٌ مُهِم في نظرته، والبسطاء من الناس هُمْ بهجته الكبيرة وقضيته الأولى. إنه الجميل “وجدي الأهدل”، (1973، مواليد “الحديدة”، مقيم في “صنعاء”)، المُشرِق دومًا بأبداعه ، صاحب الحضور الهائل، القاص والروائي الأنيق، المعروف لدى الكثير من القراء والأدباء، محليًا وخارجيًا .

 

– قبل كل شيء، ثم بعد التحية، يسعدني جدًا، بل يسعد كل مثقف ، معرفة “علاقة، وجدي الأهدل، بالثقافة والأدب: أي، متى بدأتْ؟ وكيف؟ ومن دفعك إليها؟

 

بدأت الكتابة في عام 1990، ولعلي جربت الكتابة في كافة الأجناس الأدبية، وفي عام 1995 بدأت بنشر قصصي الأولى في الصحف والمجلات، ومنذ ذلك العام تعرف عليّ القراء من خلال ما أنشره في الصحافة المحلية.  كيف ذهبت إلى عالم الأدب؟ لعل السبب هو أن والدي أهداني آلة كاتبة، ورأيت أن كتابة الأدب هي الطريقة المثلى للاستفادة من هذه الهدية الثمينة. وبذا يكون والدي هو من دفعني بطريقة غير مباشرة إلى الكتابة.

هو لم يقل لي أية كلمة بهذا الشأن، وأعتقد أن الأمر لم يكن يحتاج إلى شرح من جانبه.

 

– كيف تجيب على هذا التساؤل المثير: من هو المبدع الحقيقي؟ ذلك الذي يكتب للشعب مدافعًا عنه ومُنَاضِلًا من أجله ، أم هو ذلك الآخر الذي يكتب للسلطة مدافعًا عن مساوئها وعيوبها؟ أي منهما يمكننا وصفه بـ «المثقف» في تقديرك؟

 

المبدع الحقيقي هو الذي يكتب أدباً جيداً. وبالطبع سوف تكون لهذا الإبداع مكانة أعظم في النفوس إذا هو انحاز إلى صف المقهورين والمضطهدين. معظم المثقفين في البلدان العربية يتم إلحاقهم بالسلطة، برضاهم أو رغماً عن أنوفهم. ويظل هذا المثقف الذي انضم إلى السلطة محتفظاً بلقب المثقف، ولكنه يصبح معطلاً مثل آلة معطلة، وعاجزاً عن القيام بدوره الطليعي في تنوير المجتمع ونقد الظلم.

 

– من حق الأديب أو الكاتب أن يبدع من أجل تحقيق النجاح والحصول على الشهرة، لكن ـ في الوقت نفسه ـ ليس من حقه قط أن يسعى إلى تحقيق ذلك النجاح أو الشهرة على حساب قضايا الإنسان. هل تتفق معي هنا؟

أتفق معك تماماً، لابد أن يشتبك الإبداع مع قضايا المجتمع، وأن يساهم في التنوير. الأدب ليس للتسلية، إنه ممتع حقاً ولكنه يهذب المشاعر ويرشدنا إلى السلوك الإنساني القويم. الفرق بين الإنسان والوحش هو فهم الأدب والفن. أحياناً أظن أن الحيوانات المفترسة كالأسود لو أُتيحت لها الفرصة لقراءة الأدب فإنها شيئاً فشيئاً ستمج أكل اللحوم وستصبح نباتية!

 

– كيف نفهم هذا القول “الأدب للشعب”؟

لعل المقصود أن يكتب الكاتب إبداعاً مفهوماً لعموم الناس. هذا هو الأساس في العملية الإبداعية، أيّ أن يكون الأدب بسيطاً وفي متناول الشخص المتوسط التعليم. لا أحبذ الأعمال الإبداعية العسيرة الفهم، أو التي تُضحي بعنصر المتعة لأجل ما يُسمى بالتجريب والتجديد، فهذا ما ينفر القراء من الأدب، ويدفعهم إلى اهتمامات أخرى. وبصورة عامة فإن الأدب الموجه للنخبة لن يعيش طويلاً، ولن يثير اهتمام أحد بعد بضعة أجيال.

 

– “الكتابة” في تقديرك؟

 

الكتابة هي تدريب عقلي شاق. وكما يتدرب الرياضي عدة ساعات يومياً ليحافظ على لياقته البدنية، فإن الكاتب يحتاج إلى عدد مماثل أو أكبر من الساعات يومياً ليقرأ ويكتب. ولكن لأن الإنسان العربي مشغول بتدبير قوت يومه فإن إمكانية الحصول على هذا التدريب القرائي والكتابي اليومي يبدو مستبعداً. ولكن المثير للسخرية أن الرياضي العربي، وبخاصة لاعبي كرة القدم، قد أتاحت له معظم الحكومات العربية الفرصة ليتفرغ للتدريب اليومي. هناك دول عربية تغدق أموالاً طائلة على رياضة كرة القدم، وأما دعم التأليف الأدبي والعلمي فلا يرد ببال أحد. ولن أُلقي اللوم كله على الحكومات العربية فقط، فهناك جزء من المسئولية تتحمله الشعوب العربية التي لم تستطع توفير لقمة العيش حتى لكاتب واحد! ولعلنا حين نسترجع سيرة نجيب محفوظ وهو أفضل روائي عربي سنجد أن القارئ العربي لم يتمكن من إعالته من خلال شراء كتبه، ولولا الوظيفة العامة لكان نجيب محفوظ قد هلك جوعاً. في الغرب يتوفر الأمان المادي للكاتب من خلال إيرادات كتبه.. تلك الشعوب الحية تشتري الكتب، وبالتالي فهي توفر للمؤلفين الممتازين الفرصة للتفرغ والإبداع باستقلالية عن أية سلطة.

 

– ماذا عن تطلعات، مبدعنا الكثير، وجدي؟ هل لديك قضية ما؟

أتطلع إلى انتشار الثقافة في بلادنا. افتتاح المئات من المسارح ودور السينما والمكتبات العامة والمؤسسات الثقافية.

مشكلة اليمن ثقافية، وليست سياسية. الذي يظن أن هناك حلاً سياسياً لمشكلة الدولة اليمنية فهو واهم، وقد حاول الكثيرون جنوباً وشمالاً وواجهوا الفشل. يبدأ الحل من نشر ثقافة الحداثة.. لا يمكن أن تحلم بدولة مدنية مثلاً والمجتمع اليمني لا يعرف من الحداثة سوى القشور كالهواتف النقالة وسيارات الدفع الرباعي! إن قضية تحديث المجتمع اليمني هي من الأولويات بالنسبة لي. وباختصار فإن الحرب التي نعاني منها اليوم سببها رفض الحداثة.. وهذا الرفض يخلق التناقضات، فلا يمكن لإنسان أن يستفيد من منتجات الحداثة وفي الوقت نفسه يرفض الحداثة التي أنتجت تلك المنتجات.. هذا يشبه الرجل المعتوه الذي يريد أن يتزوج امرأة، ولكنه يشترط أن يتزوج الجزء الذي يشتهيه منها فقط وأما باقي أجزائها فإنه يصر على أنه ليس بحاجة إليها!

 

– ماذا تعني لك طفولتك؟

 

تبدو الطفولة بالنسبة لي مرحلة غير مهمة. الذي يعتقد عكس ذلك فهو شخص متعلق بالماضي. الطفولة هي مرحلة استعداد للحياة، في تلك المرحلة المبكرة نحن لم نحيا بعد حياتنا الخاصة، ولا نعرف من نحن.

 

– شارع المطاعم؟

 

شارع المطاعم كما رأيته بنفسك هو شارع سد وطوله لا يزيد عن مئة متر، ولكن لأنه شارع مغلق لا يؤدي إلى أيّ مكان فإن أرواحاً كثيرة التجأت إليه. في هذا الشارع العجيب تجد نماذج من جميع طبقات المجتمع، وتجد اليمنيين من جميع المحافظات. لقد أعاد شارع المطاعم بناء الثقة بين اليمنيين.. وهو ما لم تنجح فيه المؤسسات السياسية. في هذا الشارع تجد اليمنيين يرتبطون بعلاقات صداقة وأخوة حميمة، ويتكلمون بحرية، ولا يخشون من زلات لسانهم، رغم أن المكان يعج بعيون الأمن، ومع ذلك نشأت علاقة ثقة بين الجميع. وقد لاحظت أن الأشخاص الجدد على المكان الذين يظهر عليهم العبوس تتغير طبيعتهم، ويميلون إلى الضحك وينطلقون هنا على راحتهم.

 

– هل يتطلب من الكاتب أو الأديب تغيير العالم؟ أم ماذا؟

 

هذه فكرة غريبة جداً.. أن نتوقع من كاتب قصة أو رواية أن يغير العالم! وحقاً أود أن أعلم من الذي غرس هذه الفكرة في أذهان الناس! وإذا افترضنا أن هناك كاتباً ما يؤمن بأنه قادر على تغيير العالم بكتاباته فهذا الشخص يعاني بكل بساطة من الغرور. يبدو لي أن الوضع الصحيح للكاتب هو أن يشعر بالتواضع.. وأن يكتفي بتغيير نفسه، وهذا بحد ذاته كافٍ جداً.

 

– بعيدًا عن آراء القارئ أو الناقد حول كتاباتك القصصية والروائية معًا؛ ما شعورك -أنت- في الوقت الحالي، تجاهها؟

 

لا أحبها.

 

– آخر كتاب قرأته؟

 

مذكرات فتاة، لمؤلفة مجهولة، ترجمه إلى العربية د. عبده علي الجسماني، وصدر عن مركز عبادي للدراسات والنشر. وصف عالم النفس سيجموند فرويد هذه المذكرات بأنها “درة مكنونة” لقيمتها النفسية والتربوية. وهي يوميات كتبتها فتاة يافعة عاشت في مدينة فيينا أوائل القرن العشرين. وفرويد ـ شخصياً ـ هو من دفع بهذه اليوميات للمطبعة بعد أن قام بتبديل أسماء الأشخاص والأماكن لكيلا تتضرر علاقة كاتبة اليوميات بمعارفها. واليوميات ترينا بوضوح التطور النفسي لفتاة من الطفولة إلى البلوغ.

 

– روايتك الأخيرة «أرض المؤامرات السعيدة» – رغم أنني لم أقرأها حتى الآن- يعدها بعض النقاد والمثقفين على أنها الأفضل، بل الأكثر إثارة للدهشة والجاذبية، مقارنة بما قبلها من أعمالك الروائية الساخنة. هل هي كذلك بالفعل؟ وما السر فيها؟

 

ممتن لكل من أثنى على رواية “أرض المؤامرات السعيدة”. لقد اقتربت في هذه الرواية من الواقع المسكوت عنه. مثلاً قضية زواج القاصرات في اليمن هي مشكلة شائعة جداً، ولكن المجتمع لا يوليها أيّ اهتمام. كذلك قضية حالات العبودية التي ما تزال مستمرة حتى اليوم.. والقضية الكبرى للرواية هي انحياز الدولة للقوي ضد الضعيف.. بينما المفروض هو العكس، أن تنحاز الدولة للضعيف حتى يأخذ حقه من القوي.

 

– كيف ينظر وجدي الأهدل، القاص والروائي المتميز، لحاضر ومستقبل بلده (اليمن): هذا البلد الضائع الذي تعصف به الحرب الراهنة منذ أكثر من ثلاثة أعوام؟

الحاضر لا يسر أحداً. لكن بشأن المستقبل نعم لدي أمل عظيم بأن ينهض اليمانيون بعد انتهاء الحرب كما نهضت الكثير من الأمم الأخرى التي دمرتها الحرب.

 

– قبل أن ننهي لقاءنا هذا؛ ماذا تريد أن تقول؟

شكراً لك من القلب صديقي العزيز “ضياف البرّاق” على هذه الاستضافة الطيبة.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*