من تكون؟!

 

*محمد البكري

(27)
من تكون؟!

كثير من تعبيراتنا مهما بدت مألوفة في التداول اليومي يكشف تأملنا لها عن جانب آخر من ذهنيتنا، ورؤيتنا للذات وللآخر.

 

من العبارات التراثية في سياق التعبير عن الذات عبارة تقول :” المرء مخبوء تحت لسانه فإذا قال ظهر”. بمعنى أن كلامك يعبر عن وجودك ويظهرك، ومن خلال كلامك أستطيع أن أحدد من تكون!

 

وهي عبارة تشبه المقولة الفلسفية ” تكلم كي أراك” التي توجز كيف ينبغي أن نتيح للآخر أن يقول لنراه بما تعنيه الرؤية من معرفة عقله. وفي هذه العبارة إقرار بحق الآخر في أن يقول وأن رؤيتنا له في ضوء ما يقول.

 

وفي هذا المعنى قال الشاعر زهير بن أبي سلمى قديما:

وكم كائن في صمته لك معجب

زيادته أو نقصه في التكلم

لسان الفتى نصف ونصف فؤاده

فلم يبق إلا صورة اللحم والدم.

وفي الفلسفة ظل التعبير عن الكينونة وكيفية التعرف عليها، يشغل مناقشات فلسفية ممتدة من الفلاسفة الإغريق وحتى الفيلسوف مارتن هيدجر( المتوفى1975) .

أما في سياق ثقافتنا فسؤال الكينونة لا يوجه إلى الذات أولا، ولا تعنى به الذات في البحث عن كنهها، ولا تقف أمامه لتعرف حدودها، فالذات في ثقافتنا لا تعاني قلق المعرفة ولا تستشعر حاجتها للتساؤل من أساسه. ولا تهتم بمراجعة تصرفاتها وممارساتها لتطرح على ذاتها سؤال: من أكون؟!

فهي تتوهم أنها مكتملة؛ وعلمها مطلق، وغالبا ما تتكلم عن نفسها من موقع اليقين وبنبرة الواثق، ولا تأنف من أن تبدو ذاتا تاريخية، ولا تعترف أنها محكومة بالزمن.

 

والسؤال:(من تكون؟) على قصر صيغته سؤال حاد، كأنما يطعن الذاكرة بخنجر مسموم، وهو يستعيد أرشيفا من عبارات التنمر، ويستدعي سياقات التبجح.

 

وأبرز تلك السياقات أن هذا السؤال موجه إلى المخاطب بنبرة استعلائية مكتظة بالإنكار ورغبة القدح والانتقاص : ” من تكون؟! “؛ بكل رعونة يستهدف ذات القائل، أي من تكون لتقول ما قلت؟! أو من تكون لتعبر عن نفسك على هذا النحو أو ذاك؟!

ولا يسأل فيقول ما صحة هذا القول من عدمه؟! ما الدليل على ما قلت؟ .هو لا ينظر إلى القول وإنما إلى القائل؛ سؤال يستبطن الاستهجان.

 

سؤال يختزل استعدادنا الدائم للتجني، ومن خلاله تتجلى ثقافتنا التي اعتادت أن تدين لا أن تتبين، وأن تتربص لا أن تنصف! وما أكثر ما نلمس ذلك في العلاقات وقد صارت وسائل التواصل الاجتماعي تعكس الكثير مما يدور في واقعنا اليومي، وتيسر لنا ملاحظة عدد من الظواهر في مجتمعنا.

 

من تكون؟ صيغة سؤال ازدرائي لا يعترف بأن الحكمة ضالة الإنسان أينما وجدها فهو أحق بها، وفي معناه يقول المثل بالعامية: ” الذي ما يعرفك يجهلك”، وهذا المثل تقوله الذات في سياق الاعتذار والتماس المسامحة عن التقصير أو عدم التقدير!

والمعرفة في هذا السؤال المغلق على الذات، المطل على الآخر من الأنا المتعالية، مقصود بها، أن يعرف من صاحب القول أن يعرف حسبك ونسبك ومكانتك الاجتماعية أو منصبك السياسي أو لقبك أو قبيلتك…الخ. ليقرر في ضوء هذه المعرفة إن كنت تستحق الاحترام أم لا، ومن أي درجة يتوجب عليه احترامك!

 

وهو لذلك لا يهتم بكونك إنسانا له رؤية يعبر عنها، فهذا من منظوره لا يكفي لأن تكون محترما أو لأن ينظر فيما قلت أو فعلت!

ولا يستوجب أن يمنحك فرصة القول ليزن كلامك بميزان المعقول واللامعقول، وربما لا يعترف لك بأن ما تقوله كلاما يستحق أن يصغى له، أو يستحق أن ينظر لقائله كإنسان!

فسياقات هذا السؤال كلها تحدد له دلالة واحدة؛ وهي إرادة تحقير الآخر، فمن يسألك: من تكون؟ لا يسأل ليعرف وإنما ليقول ويقرر بالنيابة عنك ويحدد لك من تكون!

 

وهو إذ يسأل يسقط موضوع القول ويركز على ذات القائل، ويعني أن كل قيمة لك في ذاتك منعدمة ومهدرة؛ ما لم يعرف وزنك القبلي أو العشائري أو الاجتماعي أو السياسي أو المالي أو الديني…الخ.

 

وتراثنا مثل واقعنا اليومي مليء بأصداء هذا السؤال الذي لا يسأل، هذا السؤال المتغطرس، ونجد جذور هذا السؤال وامتداداته في مئات الكتب، وأكثرها احتفاء به كتب الأنساب وكتب المناقب والفضائل وتراجم الأعلام، وكتب المثالب، والمفاخرات والمنافرات وكتب الأيام والوقائع، وأشعار النقائض والهجاء والفخر.

 

وفي ذلك قال أحد المغرورين :

أنا ما علمت من المكانة في الورى

لكن مثلك من تراه يكون؟!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*