مُثقَّفُ بدرجة “طبل”!!

ـ كتب : محمد القعود

(20)
ثقافة “المأمأة”..!!
* عبارة مسافرة بصخب جمرها.. عبارة متوحشة في وقعها.. ما زالت تنهش ذاكرتي بصداها منذ أن سمعتها تلعلع من فم أحد البسطاء في موقف عابر :
– «فين المثقفين.. أين دورهم في المجتمع .. أين هم راقدين»؟!
ووجدتني كمن يستيقظ من نعاس ثقيل أطلق صوتي بنبرة مستغربة ومتسائلة :
– (أيوه) صح!! ..أين دور المثقف اليمني..؟ أين المثقفون..؟! .وأبحرت فوق أمواج تساؤلاتي لعلي أعثر على شواطئ الاجابة.. ويبدو أني كنت أفكر بصوت عال لأن أحد الزملاء الطيبين اعترض إبحاري مع ذاتي.. بنظرة ساخرة قائلاً لي :
– «جالس أنت والبعسسة..!! أيش من مثقفين وايش من سليط.. قم ابحث لك عن لقمة خبز تشبع بها بطنك.. قال لك مدري ايش كان امس.. مساء الخير». وأطلق خوار ضحكاته..!! .

* عبارات مُرَّة.. وقاتمة وطاغية تذرف الألم والأسى.. ولكنها الحقيقة..!!
* تبتعد عن تلك التعريفات السقيمة والمصطلحات الأكاديمية الممتلئة بالخواء والصقيع، وتدلف إلى أزقة ذاكرتك لتلتقط وتستعرض مشاهد بفعالية المثقف وتجس نبض ذلك الدور الهام.. وكيف كان وأين أصبح..و… و…الخ. وتتوالى الصور والمشاهد على شاشة الذاكرة.
* في ماضي الوطن القريب والمظلم.. كان المثقفون – رغم قلتهم- شموع الأمل التي أضاءت محيطه المحاصر بشتى الدياجير. وهم من قادوا سفينة الوعي في لجج بحور الجهل والتخلف والقهر..! كانوا، في كل وقت، زيت المصباح في دروب شعبهم العابر نحو الفجر.. وكانوا في طليعة من أشعلوا فتيل الإرادة الحرة وقادوا دفة الحياة الجديدة. وكانوا في الخنادق الأمامية للثورة يُسيِّجون حلمهم وفجرهم بأجسادهم وأرواحهم ويشعلون عقولهم قناديل تبدد إرث التخلف والجهل المتقوقع بين صفوف ابناء المجتمع..و..!

*ولكن.. رغم تقلبات الظروف التي هبَّتْ وضيق بعض الفترات من «شغب» المثقفين، وتوجسها ورعبها من أدوارهم المضيئة المتغلغلة في مفاصل المجتمع وتجذرها في ايقاع حياته، ورغم مراحل ومسلسلات القمع والاضطهاد والكبت والسجون وتكميم الأفواه ومطاردة الأفكار ومحاصرة الرؤى وخنق وسائل التعبير.. إلاَّ أن دور المثقفين كان موجوداً وفاعلاً ومثمراً ومتدفقاً كنهرٍ.. كان صوتهم مميزاً وواضحاً، وعطاؤهم بارزاً لكل ذي عينين .. حتى في أحلك الظروف وأصعبها وأخطرها..!! .

*لا أقول كل ذلك من باب «الانشاء» التعبيري أو «الخرط» ولكن من وقائع وأحداث وحقائق تتوهج بها ذاكرة المجتمع.. ونعرف ماذا قدم المثقفون قبل الثورة وبعدها مروراً بالستينيات والسبعينيات وحتى تحقيق الوحدة، التي ظلت – بعد قيام الثورة ورسوخها – هدفهم الأسمى وحلمهم الأكبر وغدهم السائرون إلى فجره. ونعرف ماذا لاقوا وعانوا في سبيل ذلك وفي أداء دورهم الناصع في العقود الزمنية السابقة.

* نعرف أن كلمة «مثقف» كانت بمثابة تهمة خطيرة تطارد كل من «يفكر» و«يناقش» و«يتأمل» واقع وطنه وهمومه وقضاياه وطموحاته.. ومن كان يحمل أيّ كتاب خارج «المقرر» الرسمي، فقد كان ينظر إليه بعيون الريبة ويوصف على أنه «حزبي» يحاول نشر أمراضه «الثقافية»!! وكم من الضحايا الذين وجدوا أنفسهم بين «صفحة وأخرى» وقد أمسوا في بطون الأقبية بتهمة ترويج أفكار تتسرب منها أضواء الوعي.. الخ. * أي معاناة كبيرة ومسئولية جسيمة كانت ملقاة على عاتق المثقف اليمني قبل وحدة الوطن..!! حقاً.. إنها صورة مبهجة، رغم ما أحاطها من آلام ومواجع.. ولكنها تظل على الدوام رائعة..

* ومع توحد الوطن امتلأت أشرعة الحياة برياح الديمقراطية وظهور التعددية السياسية، وتناسل الأحزاب.. عبقت «العقول» و«الحناجر» بالآراء والرؤى، والأطروحات المختلفة المشارب والاتجاهات، وتعددت رقعة الإصدارات والمنابر الديمقراطية، التي اتسمت جميعها بصبغة سياسية، حتى تلك التجمعات التي اطلت من خانة المهن، أو خرجت من زاوية «الشفقة» للدفاع عن مرضى «الحراف» وحماية «الطبيخ» من أضرار «الصلصة» المستوردة.. الخ. فهي لم تسلم من «لطخات» ألوان الطيف السياسي..!!

* وفي خضم تلك المشاهد «الفسيفسائىة» افتقدنا الفعل الثقافي، صوته وحضوره، ودوره.. مما جعل صخرة الأسئلة تتدحرج من قمة الحيرة، لتنثر صخبها في وجه ذلك الغياب : – أين ذهب المثقفون..؟ وفي أيِّ «لوكندة» نام دورهم..؟ ولماذا صاروا في حالة «فرار» دائم من ساحة معتركهم الجديد..؟!

* تتلفت حولك بذعر «رهيب.. والله».. فلا تجد غير صدى الأسئلة تتساقط ثكلى في قبضة الصمت..؟!
* تجد المثقفين اليوم، غير المثقفين في الأمس..!!.
لقد تغيَّروا «!!» وتغيَّرت أدوارهم و«جلودهم» و«تلونوا» حسب مقتضيات «المهمة» وانتهجوا «أزقة» ضبابية وافتتحوا «دكاكين» تُروِّج بضاعة الأحزاب والسياسة الفاسدة والقميئة والتحقوا بـ«مقايل» ودواوين باذخة الترف، تمنح «خبرة» عريقة و«معارف» فاعلة وثقافة شاملة في شئون «الهبر» والمزايدات المربحة، وتسويق «المواقف» التي ترتدي أثواب الهموم الوطنية..!!.

*هناك المثقف الذي صار كـ«الطبل» الأجوف، والبوق الناعق الذي «يتدوشن» ويردد ما يملأ عليه من «حزبه» أو تنظيمه السياسي أو جماعته حتى وإن تنافى ذلك مع مبادئه وقناعاته وواقعه – ان لم يطلقها بالثلاث أو تغسل من مخه- .
* وهناك المثقف الذي أصبح مُدجَّناً، ومُهجَّناً وقابلاً «للتأجير» و«البلطجة» وتزييف «الوعي» وشقلبة الحقائق..!!. وأيضاً هناك المثقف الذي بات يجيد الرقص «السياسي» و«العشائري» والمناطقي والمذهبي والقروي والمصلحي، بمختلف أنواع الحركات والايقاعات ابتداء من رقصة «التقدمية» وآخر صرعات هز «الوسط» وكل ذلك حسب الطلب وحسب التوجيه والـ«آلوه»!!.

* بينما هناك قضايا كثيرة منبثقة ومرتبطة بنبض هذا الوطن ومواطنيه، وهموم الواقع وطموحات الغد، لا تجد لها أيّ صدى في «قعر» ووجدان تلك الفصائل أو «الفسائل» المثقفة، التي انكفأت و«اقعت» على ذاتها وأنانيتها، وتسورت خلف سياج مصالحها، ونسفت جسور التواصل بينها وبين محيطها وتخندقت خلف شعار الأنانية الفج و«أنا مالي»!! .

* أما من لم يتنصلوا من دورهم البهي، ولم تستطع رياح الردة أن تطمر أعماقهم بوحل الأنانية أو أن تطفئ جذوة إصرارهم في حمل مشاعل الوعي.. فهم قلة قليلة، وفصيلة نادرة من فرسان الثقافة، فرسان بكل معنى، ونبل.. يحملون أدوارهم وهمومهم ويكتوون بجمر واقعهم، ويقارعون كل تعب من اجل اشراقة مدهشة تضيء طريق مجتمعهم وهو يواصل سيره إلى غد أجمل.. هؤلاء الباقة الجميلة من المثقفين الأصلاء، ممن لم يتحولوا إلى سماسرة «ضمير» ومحترفي «دجل» ومقاولي «ضجيج» ومروجي «هلس» وثرثرة رمادية. ما زالوا بكل صدق وتضحية يواصلون انهمارهم واشتعالاتهم، غير مبالين بكل الظروف التي تحاول أن تجرفهم بعيداً عن مسارهم الذي اختاروه.. وأيضاً هناك مثقفون لم يتحملوا أن يروا تلك الحالة «الفنتازية» للثقافة والمثقف ودوره، فاختاروا تحت ضغوط الأسى أن يلجأوا إلى الصمت..!!

* وبعد..!! ..
هل يعود المثقفون إلى مصافحة نبض مجتمعهم ويزيلون ذلك الغبار الذي تراكم على صورة المثقف ودوره..؟!.
أم يستمرئون موائد الأحزاب و«نفحات» السياسة.. وغنائم المراحل والاوضاع المتقلبة؟!
* هل قلت شيئاً..؟!
– ربما..!!
———————
* من كتاباتي قبل عدة سنوات
#من_كتابي_المخطوط_هدارستان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*