مَرَّ كالمَاءِ والقَمْحِ والعافِيه

ـ هشام باشا

(36)
حينَ يَحْكي العراق
ذِكْرُ “عَقْلانَ” والأمْسِ والبادِيه

مَرَّ بي آخِذًا بغُبارِ الظّما
عن شِفاهي وعن شَفَةِ القافِيه

مَرَّ يُذْهِبُ عنّي رُكامَ السِّنينَ
لأَلْقَى الصِّبا مَرَّةً ثانِيه

ولَقيْتُ الصِّبا، غَيْرَ أنَّي لَقيْتُ
احْتِياري وأسْئلَتي الماضِيه

والضُّحى، ذلكَ المُنْطفي، والجُنُودَ
المُغِيرينَ والقَرْيةَ الخاشِيه

والتَّشَظّي المُفاجِئَ، في صِيغَةِ الحَقْلِ
والزَّرْعِ والرَّعْي والمَاشِيه

والرُّعاةُ يَفِرُّونَ في “إتّجاهٍ”
مِنْ الذُّعْرِ والشَّاةُ في ناحِيه

مَن يَكونُ الجُنُودُ؟ وماذا يُريدُونَ
مِنْ هذِهِ الأَعْظُمِ البادِيه

فيَجُرُّونَ “عَقْلانَ” ذاكَ العَجُوزَ
بآخِرِ أَضْلُعهِ البالِيه

يَرْكُلونَ قَفاهَ، لِيُلْقَى على
صَرَخاتِ اسْتِغاثَتِهِ الدَّامِيه

و”جَمالةُ” تَرْجُو، تُنادي، تُدافِعُ
عن بَعْلِها بالقُوى الذَّاوِيه

و”جَمالةُ” تَبْكي، تَرى بَيْتَها
يَتَهاوى على عَيْنِها الباكِيه

و”جَمالةُ” تَهْتَزُّ في قَبْضَةِ الجُنْدِ
كالصَّيْدِ في القَبْضةِ الضَّارِيه

تَتَحَدّى وأَحَّدُهُم مُمْسِكٌ
بتَلابِيبِ أْضْمارِها العارِيه

كنتُ طِفْلًا هُنالكَ خَلْفَ “العَرِيشِ”
أُكَتِّمُ أنْفاسِيَ العالِيه

وأُحاولُ إمْساكَ ما فَرَّ مِنّي
برَجْفَةِ أعْضائيَ الباقِيه

كُنْتُ طِفْلًا هُنالكَ والبُنُ يَصْرُخُ
بالجُنْدِ أنْ يَتْرُكُوا جانِيَه

والسَّنابُلُ تَهْتِفُ: خَلُّوا حَبِيبي
وخَلُّوا حَبِيبَتَهُ الرَّاعِيه

والخُوَارُ الحَزينُ المُشاهدُ جَيْشًا
مِنْ القَحْطِ مُخْتَطِفًا راعِيَه

والثُّغاءُ الرَّهِيبُ الذي كانَ يَعْلو
فتَقْطَعُ أنْفاسَها السَّاقِيه

كُنْتُ طِفْلًا وكانَ السُّؤالُ الكَبِيرُ
يُقَشّرُ حَيْرَتي الرَّابِيه

كُنْتُ أسْأَلُ: ماذا تَكُونُ جَنَتْهُ
التَّلاوَةُ في السُّحَرِ الدَّاجِيه

والصَّباحُ المُطِلُّ على “صَقْعَةِ” الزَّهْرِ
بالحُبِّ والنَّبْرَةِ الدَّافِيه

ويَدٌ يَنْفَحُ الطِّينُ مِنْها كما
يَنْفَحُ العِطْرُ مِنْ حُلَّةِ الغانِيه

شَقَّقَ الزَّرْعُ والحَرْثُ في بَسْطِها
وهْيَ أحْنَى علَيْهِ مِنْ الحَانِيه

كُنْتُ أسْأَلُ: والأمْسُ ماذا جَناهُ
كَلِيمُ الكَواكِبِ والغادِيه؟

كُنْتُ أسْأَلُ: والأمْسُ ماذا أتَتْهُ
“جَمالةُ” والقَدَمُ الحافِيه؟

لَم أكُنْ بَعْدُ أَعْرِفُ أنَّ البَراءَةَ
أكَبْرُ أعْدَائها الطّاغِيه

2019/9/17

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*