التعليم والتنوير رسالة حياة الربادي.

ـ كتب : دكتور/ علي محمد زيد


بدأ محمد الربادي حياته العملية معلما متطوعا من ذلك النوع الذي يمارس التعليم كرسالة حياة، في حلقات المساجد أو في البيت، أو في الدكان، أو أثناء السير في الطريق أو الشارع، أو في مقيل القات، وفي كل وقت يمكن اللقاء فيه مع أي طالب للمعرفة. ولقد كان من أكبر المؤمنين بدور المسجد في التعليم والتوعية، فتبنى تفسيرا مستنيرا للإسلام استمده من تراث حركة التنوير الإسلامي عند محمد عبده وجمال الدين الأفغاني وعبدالرحمن الكواكبي ولقحه بتراث حركة الأحرار اليمنيين المعارضة للاستبداد. وأضاف إليه إيمانا قويا بقدرة الكلمة على التأثير والتغيير، وشجاعة لا تضاهى في قول كلمة الحق، وموهبة فذة في الخطابة ارتجالا، وذاكرة حديدية تسعفه بالنصوص والعبارات والصيغ الفصيحة غير المعقدة، مما جعل ارتجاله متعة له وهو يستولي على المنابر وللمستمعين، فينفذ إلى القلوب ببساطة قل نظيرها.
بدأ انتقال دوره من المحلية في مدينة إب إلى اليمن كلها عند إعلان قيام الجمهورية، حين بادر ومعه شباب من إب مثل عبدالحفيظ بهران وأحمد قاسم دماج، بالتحرك إلى نواحي (مديريات) إب للتبشير بوعود الجمهورية ونزع الأشواك من طريقها ونثر الورود والرياحين على دربها الجديد. وكان يمكن أن تضيع مثل هذه الجهود المبكرة من التنوير في بلد لا صحافة فيه ولا كٌتًاب لتاريخ الشعب لولا تداول الذاكرة الشعبية في إب لقصيدة شعبية تعد مشهدا من المسرح الكوميدي، في واحدة من قصائد تراث إب الشفوي الساخر البديع، بعنوان “أهلا بمن قد اقبلوا جماعة” سجلت ذكرى وصولهم إلى ناحية السياني.
وكان من نتائج هذا التحرك للتنوير بوعود الجمهورية لفت أنظار العاصمة إلى قدرة الربادي في عملية الإرشاد والتوعية، وبدء إرساله في مهمات إلى مناطق مختلفة في الجمهورية ليبث الوعي الجديد.
وإلى هذه الفترة بدأ تعرفي عليه حين بلغت صنعاء المسئولين في قضاء ريمة بوصول أبي الأحرار محمد محمود الزبيري للارشاد. وكان من الصعب عمليا أن يصل الزبيري نظرا لوعورة الطريق فأرسل الربادي لينوب عنه. وكنت طفلا أدرس في معلامة وأراد معلمنا أن يستقبل الزبيري بما يليق فأعطاني بعض أبيات من قصيدة للزبيري الذي كان الناس يحفظون قصائده لكنهم لا يعرفون صورته في تلك الفترة المبكرة حيث لا صحافة ولا تلفزيون ولا تصوير. وحين وصل الربادي وألقى خطابا سلب العقول بقدرته على الارتجال ومخاطبة العقل والمشاعر اعتقد كثير من الحشد غير المسبوق، وأنا منهم، أنه الزبيري. ومع أنني لم أتمكن من إلقاء القصيدة في الحفل بسبب زحام الحشد، كان من نتائج دعوته للناس لإلحاق أبنائهم بالتعليم الجمهوري للتعويض عما فات اليمن أن حصل معلمنا على وظيفة معلم واقتناع أبي بإرسالي للدراسة إلى صنعاء حيث كانت ريمة ملحقة بلواء صنعاء.
وقد واصل الربادي في السنوات الأولى من عمر الجمهورية مساعدة الطلبة القادمين من الريف للالتحاق بالقسم الداخلى ليحصلوا على الغذاء والمأوى ويتفرغوا للدراسة في فترة كان الفقر فيها عاما ولم يكن بمقدور كثيرين أن ينفقوا على أولادهم في المدينة كي يتعلموا.
وفي مطلع السبعينات عندما حصلنا على شهادة الثانوية العامة واجهتنا مشكلة الوفاء بشرط تقديم ضمانة تجارية لنفوز بحلم الحصول على منحة للدراسة في الخارج. وأذكر أن هذا الشرط قد كان أكبر مشكلة واجهتني حتى ذلك الوقت إذ لم نكن نحن الطلبة القادمين من الريف نعرف تجارا، وكان عدد التجار الذين يملكون سجلا تجاريا في تلك الفترة قليل. وكنت أعرف الربادي كشخصية عامة ولم يخطر على بالي أن التجئ إليه لحل مشكلتي. وبعد أيام من التردد على وزارة التربية دون حل لمشكلتي قابلته صدفة عند باب الوزارة وأنا مغموم عابس. ابتسم لي كعادته مع كل من يقابله وجاملني بالقول لما ذا أراك مغموما؟ أجبت: حصلت على منحة، وقبل أن أكمل الشكوى قال لي: هذا يدعو للفرح وليس للغم. أضفت: طلبوا مني ضمانة تجارية، قال: المسألة بسيطة. وأمسك بيدي واقتادني بجانبه كأب يحاول تجنيب طفله مخاطر الشارع المزدحم، وسار بي صامتا نحو دكان قريب كان يعتاد البقاء فيه ومقابلة الناس. وأخذ استمارة الضمانة وأعطاها للتاجر طالبا أن يضع عليها اسمه وختمه ورقم سجله التجاري. فعدت جريا إلى الوزارة وسلمت الضمانة وفزت بالمنحة. وقد علمت أنه سعى لتوفير الضمانة لكثيرين من أمثالي وكان يعتبر ذلك من ضمن رسالته في الحياة لنشر التعليم ومساعدة المحتاجين. وحين التقيت به فيما بعد وقد أصبح رئيسا لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين ذكًرته بفضله عليُ فرد في تواضع أنه لم يعد يذكر لأنه فعل ذلك مع كثيرين.، مضيفا أنه لا يزال لا يعرف سر طلب ضمانة تجارية من طالب يريد أن يواصل الدراسة.
وحين ذهبت إلى إب لحضور ذكرى مرور أربعين يوما على رحيله الحزين شاهدت الحشد الكبير الذي جاء من أنحاء اليمن ليعبر عن اعترافه بالجميل لرائد من رواد التعليم والتنوير، فقال لي الأستاذ أحمد جابر عفيف: شعبنا لا ينسى من عملوا بإخلاص وتفان من أجله، ولكنه يطلب منهم أن يكونوا ملائكة يضحون براحتهم وملذاتهم وبمصلحة أبنائهم وراحة أسرهم من أجله. لا يصل إلى كسب حب الشعب إلا من دفع الثمن من حياته ومسكنه وقوت يومه. وهذا ما فعله الربادي ففاز بهذا الحب الكبير.
لم ينتم الربادي إلى أي حزب بعينه، وكانت الأحزاب كلها تأتي إليه وتحاوره وتستمتع إلى نصائحه. كان أكبر من أي حزب بعينه، وتحرص الأحزاب على الفوز بالتقرب منه.
دكتور علي محمد زيد

ـــــــــــــــ

ـ كلمة مقدمة للفعالية التي نظمها منتدى الحداثة والتنوير الثقافي تحت شعار ( الربادي .. رجل الكلمة والموقف )

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*