عن المقيل اليمني!

*محمد فائد البكري

 

(16)
عن المقيل اليمني!

يوماً وراء يوم يجتمع اليمنيون في مجالس للمقيل يمضغون فيها القات ويتبادلون الأحاديث، ويمتد زمنُ الاجتماعات الطوعية من بعد الظهر أو العصر إلى العشاء وما بعده، بمعدلٍ لا يقل عن ست ساعات يوميا.أي أكثر من ثلث اليوم. وعملياً أكثر من الزمن الذي يبذل في العمل المُنتِج.

 

وقد صار الأمر عادةً يومية عامة، يراها البعض متنفساً وفرصةً للترويح والتخفيف من ضغوط العمل والابتعاد عن مشاكل الأسرة.

ويراها البعض هروباً من الواقع وإضاعة وإهداراً للوقت، ويراها آخرون ملتقيات شللية تنسج علاقات عامة وتُنمَي المحسوبيات وعصبيات المصالح والمنافع على حساب القانون؛ وخصوصاً مقايل أصحاب المناصب العليا في الدولة ومقايل رموز القوى المتنفذة وكبار العسكريين والمشيخيات القبلية، ويرى البعض أن المقايل اليمنية في عمومها منتديات للتثاقف والتواصل وهي البديل الاجتماعي للمؤسسات والمنتديات الثقافية .

 

وبالنظر لمضامين الأحاديث المتداولة في هذه المقايل- وما نقصده هنا مقايل العامة من الناس- نجدها في الغالب تنصرف لأخبار السياسة، وتداول الطارئ واليومي منها، بحسب ما سمعوه في القنوات الفضائية أو ما طالعوه في مواقع التواصل الاجتماعي أو الصحف، ويدخلون في تحليلات و تأويلات وتفسيرات يغلب عليها الهوى والذاتية، دون علم بالسياسة أو إصغاء لمن لديه علم ودون اهتمامٍ برفع الوعي السياسي، أو المدني أو القانوني.

 

وعادة المقيل وراثية وقد صارت سائدة جيلا بعد جيل، ولها ثقافتها التي توسم بالشفاهية و الجنوح للتقليد والترديد، وكثير من شداة الأدب والثقافة والسياسة يلجأون للمقايل لتسويق ذواتهم وصقل مواهبهم وتنمية خبراتهم، وتلهيهم مثل هذه المقايل اليومية عن القراءة والتواصل مع الكتاب.

 

وكم من المواهب الواعدة أفسدتها المقايل التي تُصفّق وتسوّق وتبالغ في الإطراء وتفرط في الإشادات إلى حد الشطط، وبعد حين من الاستغراق في هذه المقايل يغلب على مرتاديها تناقل بعض المعلومات والآراء واستنساخها واجترارها وتكرارها دون تأمل في صحتها أو جدواها.

 

وقد تُعزز عند كثيرٍ منهم شهوة الشهرة وتدفع بهم إلى استسهال الظهور بمظهر العليم الخبير ولعب دور المثقف الخطير. ويتنامى جرّاء ذلك عدم الشعور بالمسؤولية تجاه المعرفة وتجاه المجتمع، وتتضخم ذواتٌ كثيرة وتنفصم عن واقعها، وتظن أنها حازت علم اليقين.

 

ويُهيأ لكثيرٍ من فرسان المقايل أن لديهم فصل الخطاب فيبادرون للقول دون حرج أو تحفظ، ومن مقيلٍ إلى مقيل ومن تصفيق إلى تصفيق يضيع الفرق بين الموهوم والموهوب، بل إن بعض الموهوبين قد يطمئن إلى أنه قد بلغ درجة الكمال فيكف عن تطوير قدراته وتثقيف نفسه ويكتفي بالعلاقات العامة والدوران في المقايل.

 

ومن هذا الجانب تُسهم المقايل في تسطيح الوعي، وخصوصاً أنها لا تُفسح للنقاش الحُر في قضايا علمية ولا تستسيغ تداول الثقافة العالمة، ولا تُنظّم جلساتٍ علميةً يُدعى لها متخصصون وباحثون، بحيث يكون المقيل فضاءً للطرح المسؤول والنقاش الموضوعي، وتنمّى فيه المَلَكة البحثية،ويُتعلّم فيه وآداب الحوار و الاستماع. بل إن من الباحثين من تتسبب المقايل بتحويله إلى عاطل عن البحث، يُفرغ هواجسه وتساؤلاته في نقاشات عرضية وطارئة ويظن أنه قد قال ما لديه.

 

ولهذه المقايل امتدادٌ في مؤسسات تُسمّى ثقافية،لاهمَّ لها سوى التطبيل بحجة التشجيع والرهان على الزمن في غربلة الجيد من الرديء. ويمر الزمن ويظن الناس أن ما يطفو على السطح صفوة اللبن. لاسيما في مجتمعٍ يفتقر للتعليم الجاد والتفكير النقدي والتقييم العلمي.

يُقدِّم المقيل اليمني صورةً لواقع المجتمع ومستوى تفكيره، سواءٌ من حيث الموضوعات التي تطرق وتطرح، أو من حيث طرائق التداول التي تطغى عليها المهاترات والضجيج والضوضاء والغوغائية، واستخدام الصوت المرتفع وسيلةً للتعبير عن الرأي بدلاً من الطرح الموضوعي، أو من حيث الارتجال والعشوائية وعدم التخطيط والتنظيم والتنسيق.

 

وعلى الرغم من أن هذه المقايل يُمكن أن توضع لها برامج ثقافية مدروسة بحيث يتم تحويلها فعلياً إلى منتديات ثقافية فاعلة ومؤثرة، ويُمكن توظيفها كمنابر أو صالونات ثقافية تمارس التوعية المجتمعية و نشر الثقافة المدنية والقانونية والعلمية.. إلخ.

برغم إمكانية ذلك إلا إن تلك المقايل نادراً ما تتطرّق لقضايا موضوعية تعني المجتمع، والأكثر ندرةً أن تناقش قضايا ثقافية أو علمية أو معرفية أو أدبية أو فنية… إلخ. أو تقوم بمناقشة لمفاهيم أو أطروحات جادة. أو تتجاذب الحديث حول كتابٍ ما، بغرض الاستفادة والتثاقف واستغلال الوقت في تنمية الوعي وتحصيل المعرفة، والتدرب على التفكير والحوار وتقبّل الآخر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*