(مُجتَمَعُ العَناكِب)

ـ شعر : يحيى الحمادي

 

(48)
(مُجتَمَعُ العَناكِب)

بُيُوتُنا دَومًا هِيَ الأَوْهَنُ
فكيف لا نَأسَى ولا نَحزَنُ؟

وكيف لا نَخشَى فَناءً، وفي
بُطُونِ أَهلِينا لنا مَدفنُ؟

وكيف نَستَقوِي بِأَجسَادِنا
ونَحنُ مِن أَشباحِنا أَجبَنُ؟

هُنا يَصِيدُ الأُمَّ أَبناؤُها
وإِن نَجَت فالزَّوجُ لا يَأمَنُ

وإِن نَجَا أَو فَرَّ مِن أَهلِهِ
فَكُلُّهُم صَيدٌ له مُعلَنُ

ويَأكُلُ الإخوانُ إِخوانَهُم
لِفَرطِ ما بِالغَدرِ قد أَيقَنُوا

وكُلُّنا باكٍ على كُلِّنا
وكُلُّنا السَّفَّاكُ والأَرعَنُ

وما لَنا حَولٌ ولا قُوَّةٌ
فَأَكْلُنا بَعضًا هو الدَّيدَنُ

حَيَاتُنا ليست سِوى نُسخَةٍ
رَدِيئةٍ لِلمَوتِ.. لا تُضمَنُ

إِذا صَحِبتَ الخَوفَ في مَسكَنٍ
فإنَّهُ مَنفَاكَ.. لا المَسكَنُ

*****

بَنُو فَناءٍ نَحنُ.. مُستَهجَنٌ
بَقاؤُنا، والمَوتُ مُستَهجَنُ

وأَهلُ هَجرٍ نَحنُ.. لا نَلتَقِي
سِوَى بِأَحشاءٍ بِنا تُسمَنُ

مُصَابُنا أَنَّا أُصِبنَا بِنا
كَما يُصِيبُ اللَّعنُ مَن يَلعَنُ

فَفِي زَوَايا الدُّورِ مَنصُوبَةٌ
لِبَعضِنا الأَشراكُ والأَلسُنُ

وفي الشُّقُوقِ السُّودِ كُلٌّ له
فَريسَةٌ تَدعُوهُ، أَو مَكمَنُ

*****

مِن الحَريرِ الصَّلْبِ مَنسُوجَةٌ
بُيُوتُنا.. لكنها الأَهوَنُ

إذا ذُبابٌ حَطَّ، أَو نَملةٌ
تَعَثَّرَت.. كِدنا بِها نُطحَنُ

وليس مِن ضَعفٍ بِنا نَشتَكِي
ولا بِها، لكنْ بِمَن يَطعَنُ

عَدُوُّنا مِنَّا.. ومِنَّا على
عَدُوِّنا الأَشداقُ والأَعيُنُ

كَثيرةٌ -في الخَلقِ- أَقدامُنا
لِأَننا بِالأَمنِ لا نُقرَنُ

دِمَاؤُنا الزَّرقاءُ لا تَشتَهِي
بَقَاءَ حَاسِيها، ولا تُحقَنُ

إذا التَقَى الرَّأسَانِ مِنَّا فَلا
تَسَل: مَنِ الخَوَّانُ، والأَخوَنُ؟

فَحِين تَخشَى الغَدرَ مِن صاحِبٍ
غَدَرتَ.. والمَكرُوهُ مُستَحسَنُ

ومِن أَخٍ إِن خِفتَ أَو مِن أَبٍ
فَأَنتَ في الأَعداءِ مُستَأمَنُ

*****

بُيُوتُنا بِالوَهْنِ مَنعُوتَةٌ
لِأَنَّها بِالأَهلِ لا تُقطَنُ

وإِن تَكُن تَبدُو حَريريَّةً
فَسَائِلِ الفُولاذَ: مَن أَمتَنُ؟!

صَفَائِحُ الفُولاذِ -لو أَنَّها
تَحَبَّلَت- مِن حَبلِنا أَليَنُ

ولَدغَةٌ مِنَّا حَرِيٌّ بِأَن
تُبِيدَ فرعونًا ومَن فَرعَنُوا

ونَحنُ لو أَنَّا سَرَت بَينَنا
مَوَدَّةٌ.. بَاهَت بِنا الأَزمُنُ

فَمَا لَنا نَحيا فُرَادَى، وفي
فِخَاخِنا نُغتالُ أَو نُسجَنُ؟

وما لَنا نَحيَا بِلا طائِلٍ
ونَحنُ مَن يَأبَى ومَن يَأذَنُ!

*****

كَأَنَّها صارَت عُرُوبيَّةً
حَيَاتُنا.. لكننا أَثمَنُ

فَنَحنُ لا نَختارُ جَلَّادَنا
ونَحنُ بِالأَغرابِ لا نُفتَنُ

ونَحنُ لم يَعبَث يَهُودٌ بِنا
ولا أَهَانُونا ولا استَوطَنُوا

ونَحنُ لا (مُوسكو) تُعَادِي بِنا
طُمُوحَ (واشِنطُنْ) ولا (لَندنُ)

ونَحنُ ما زِلنا فَصِيلًا، وهُم
فَصَائِلٌ بِالرِّيشِ لا تُوزَنُ

وهُم رَمادٌ نابَ عَن نَارِهِ
ونَحنُ مِن آباءِ غَدرٍ بَنُو

٢٠١٩٠٧٠٧

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*