ثقافتنا الشعبية واجهتنا أمام القارات

 

ـ حديث صحفي :   جهينة عبد المنعم ، منى الكمالي .

                         “بينما يتباهى أمراء الدول المجاورة برقصة أو رقصتين، يخجل اليمني من 500- 600 رقصة شعبية” 

يعد الرقص أقدم تعبير عاطفي استطاع الإنسان عبره أن يترجم أحاسيسه في كل حالاته المتعددة ..إذ أنه نشأ مع الإنسان قبل أي فن من الفنون الأخرى، وما يؤكد ذلك ( استجابة الطفل للموسيقى بالرقص )، ويروي التاريخ أن الإنسان الأول كان يُحاكي الطبيعة بالرقص بناء على بعض المعتقدات ، كالرقص من أجل المطر وتهدئة الكوارث الطبيعية .

الرقص ثقافة مجتمع وجماله و روح الانتماء للأرض ،هو واحد من أهم الفنون الشعبية في اليمن حيث تعتبر أغنى الدول العربية إذ لم تكن عالميًا بالرقص فحروبها تتبعها رقص والصيد يتبعه رقص والمناسبات الدينية والأفراح والزراعة والحصاد كل ذلك يتبعه رقص ..فأرضها خصبة قطيفة ملائمة مريحة للرقص .

أوشك بعض هذا التراث الشعبي الثري على الاندثار بفعل ما طرأ على المجتمع سابقا من موجة إعلامية متمثلة وبصورة خاصة بالقنوات الفضائية إلى جانب العديد من العوامل التي ساعدت على فتور هذا الفن .

 

ـ موروث حافل

 

علي المحمدي – ماجستير فن الباليه من الاتحاد السوفيتي مدير عام الفنون الشعبية في اليمن .

في حديث خاص عن الرقص الشعبي أثرانا المحمدي بجزيل من المعلومات التي تخص الرقصات الشعبية اليمنية من ناحية الإيقاع والحركة والزي ، فاليمن تزخر بالعديد من الرقصات التي تختلف من محافظة لأخرى كالشرح في لحج والبرع في صنعاء ورقصة بني مغراة في حضرموت والحقفة والفرساني في الحديدة والنسر في صعدة والكثير الكثير من الرقصات التي لا يسعنا حصرها في هذا الحديث لغزارتها ولكل منها إيقاع مختلف ولكل رقصة لحن وايقاع واحد، ماعدا الصنعاني يتخلله ثلاثة إيقاعات وهي الدسعة والوسطى والسارع، بيد أنه لابد من الذكر أن السارع إيقاع يافعي تطبع بالإيقاع الصنعاني فاصبح جزءًا منه،  حيث يتكون الرقص الصنعاني من نوعيين الأول بالعود والآخر بالمزمار ،ويتوافق البرع مع الصنعاني في ” الدسعة والوسطى والسارع ” ، إلا أنه ينتهي بالإيقاع الرابع وهو الهوشلية – أعلى مراتب الرتم – أي ذروة الرقص .

كما ذكر لنا أن هنالك رقصات انتقلت إلى اليمن بفعل التجارة لكنها يُمننت أي أعادت إنتاج واستحداث نفسها بتراثنا، كرقصة الليوا في عدن فهي رقصة أفريقية في الأصل وتتجسد رقصة الليوا في أُغنية سمارة يا سمارة .

وأشار إلى أن كل المناطق اليمنية ثرية بالرقص و اختلاف الرقص في هذه المناطق يكمن في الحركات كالرقص في حضرموت يغلب عليه التصفيق، وفي تهامة القفزات والضرب بالأرجل، فيما هو بصنعاء يكون بأسلوب حربي ويظهر ذلك من خلال استخدام الجنبية ، وهو في عدن ولحج يكسوه الغنج والدلع والخفة .

كما أن غالبية الرقصات الشعبية اليمنية مشتركة بين الرجال والنساء ويكون ذلك على هيئة صفيين متوازيين متقابلين .

و أردف أن الارتباط الوثيق بين الرقصة والبيئة الجغرافية يظهر جليًا في الحركات، فمثلا رقصة الدحيف في أبين توحي حركاتها الايمائية لحركة مجدافين لقارب يبحر في عرض البحر وبشكل بليغ ومتناغم حيث تبدأ الأيدي بحركة الأمواج الهادئة .

 

ـ تغافل 

في السياق تحدث عن دور الجهات المعنية المتمثلة بوزارة الثقافة في إحياء الرقص الشعبي، وشحة دعمها ووضع ميزانية تليق بقيمة هذا الفن الأخاذ، فهو سلاح ثقافي ومن مقومات حضارة اليمن ، ونجد ذلك في عدم اهتمام الجهات المعنية بإعداد فعاليات ثقافية فنية يتضمنها إبراز كافة أنواع الرقص أو حتى بعضها بشكل لائق يثير دهشة العالم ويجعله مأخوذًا مفتونًا منذهلًا بما تمتلكه هذه الأرض النابضة بالرقص، وبالتالي يحكم المتلقي بالفشل على هذه الفعاليات ويستهين بما لديه من فن .

 

وأضاف إن هنالك بعض الحركات ” النشاز ” التي تخل بموازيين الرقصة يؤديها الراقص على المسرح لغرض لفت الانتباه في إشارة منه إلى أن ذلك من المخاطر التي تهدد القواعد الأصلية لهذا الفلكلور، إذ يجب أن يُهذب الرقصُ ويُنظم بما يحافظ على الخامة الأصلية له ، ومن المخاطر أيضًا رؤية المجتمع السطحية للرقص، فبينما يتباهى أمراء الدول المجاورة برقصة أو رقصتين يخجل اليمني من ٥٠٠ إلى ٦٠٠ رقصة شعبية متناغمة في حركاتها وممنهجة في خطواتها التي تجوب الساحة بقدسية واجلال يذم اليمني الراقص وباستنقاص من قدره “بالمُبترع” ، و الحقيقة أن الرقص متعتق متجذر مترسب في أجساد اليمنين ، وأضاف إن للجانب الديني في مجتمعنا المحافظ دورٌ في إثباط الرقص فمازال المزمار شيطاني والغناء محرم والرقص كذلك وينهى المتشددون عن الرقص بحجة ذلك .

 

وأضاف إن تطور القنوات الفضائية وتوسعها ساهم من غياب بعض هذه الرقصات إن لم تكن أغلبها، حيث أنها تُعرض العديد من الرقصات ( خليجي ، هندي ، أجنبي )، والكثير من الرقصات التي تماشت ثقافيًا مع هذا الجيل، وأردف بقوله إن طبيعة المجتمع المحافظة للعادات والتقاليد ساهمت بالتشبث وإدامة بعضٍ من هذا الكم الهائل من الرقصات حتى وقتنا الحاضر .

 

ـ جهود ..

وعما إذا كان هنالك توثيق لهذه الرقصات يقول بأنه لا يوجد دراسة أو بحوثات خاصة بهذا المجال إذ أن التقصير والإهمال لتناول هذا الجانب دفعني إلى توثيق هذه الرقصات بين دفتي كتاب تحت عنوان:  (الرقصات الشعبية اليمنية)، وهو أول كتاب في اليمن يحتوي مضامين علمية دقيقة ويعرض الرقص بطريقة توثيقية أكاديمية منهجية و مصورة ، و نحن بحاجة للحديث عنها ـ الرقصات ـ بشكل مستفيض ومطول لكي نعطيها حقها، حيث أن بعضها بدأ يندثر من عاداتنا اليمنية و قد جاء الكتاب بجهود ذاتية وحثيثة يسعى لأن يعرف الناس بفنوننا الشعبية والعريقة .

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*