الشاعر و التناص

 

ـ كتب زيد الطهراوي

(24)
حين يكتئب الشعر

الشعر موهبة قبل كل شيء، و مع ذلك فإن الموهوب لا يصبح شاعرا إلا إذا صقل هذه الموهبة، و صقل هذه الموهبة يتم عن طريق كثرة قراءة الشعر و تذوقه، مع إلمام بالنحو و العروض و معاني المفردات، ثم بعد ذلك يعتمد على نفسه و كأنه نسي ما قرأ و تذوق من الشعر ؛ و سيبصر التحسن الملحوظ مع كثرة القراءة و كثرة المحاولات في الكتابة، و هذه هي الطريقة المثلى لأنها تدل على أصالة الشاعر.

و هناك طريقة أخرى و هي أدنى مرتبة من الأولى ، و هي أن يتدرب الموهوب بالشعر؛ فيأتي على قصيدة لشاعر مبدع فيمزج مفرداتها بمفرداته هو فيكون قصيدة لا هي له و لا هي لشاعرها الأصلي ،فلا يتبناها الموهوب لأنها ليست كلها له ، فلا يكون أمامه بعد كل هذا الجهد إلا أن يمزق هذا الخليط المستهجن، ثم يهجم على قصيدة أخرى فيمزجها مع مفرداته و أخيلته؛ و يمزقها، و يستمر على ذلك إلى أن ينتبه إلى أنه شرب نضوج تجربة الشعراء الذين ينصهر مع تجربتهم، كالشجرة الضعيفة التي تميل على جذع أختها لتزداد صلابة و قوة .

و هذه المرتبة لا يستحسنها الشعراء و النقاد ؛ لأنها طريقة الضعفاء الكسالى ، الذين لا يريدون أن يتعبوا أنفسهم في القراءة المستديمة ، و قد ينجحون و قد لا ينجحون فهي طريقة تحتمل الارتقاء و تحتمل التردي

أما التناص فهو هجوم على بيت أو سطر شعري ، و إضافة شيء عليه من تصوير أو فكر أو زيادة مفردة، و عدم تمزيقه بل نشره و نسبته إلى نفسه، فينبهر القارئ فلا ينكر أن الشاعر أبدع في إعادة ترميم و زخرفة البيت الشعري، و لكنه لا ينكر أيضا أن البيت ليس للشاعر المرمم و المزخرف، و يفتح ديوان الشاعر الأصلي ليثبت أن البيت منتزع منه ؛ و هنا يثبت هذا المنتزع و يعترف بأن هذا التناص مسموح به لأنه يثبت قدرته على إضافة جمال فريد للتجربة الشعرية

و هنا ينقسم النقاد إلى قسمين : مؤيد لهذه التجربة و يسميها : “التناص” و معارض و لها و يسميها : ” التلاص”

و ما زال النزال مستمرا و القضية لم تحسم بعد.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*