العيد عادة تمييزية!

 

*محمد فائد البكري

(17)
نسيتُ لماذا أحبك!

لكل شعبٍ أيامٌ موقوفة لمناسباتٍ يتم الاحتفال بها بقوة العادة، وإظهار الابتهاج بحسب التوقيت المحلي، دون إعادة نظرٍ في جدوى تلك المناسبة، أو التأمل في تقادم الزمن عليها، وتغيّر الحاجة إليها.

ويتغيّر الزمن وتتغيّر قيم التواصل الإنساني وتُبتدع أعيادٌ وأعياد، و يتبارى المتبارون في لعب أدوارهم في تمثيليات يتقمصون فيها دور الفرحين والمبتهجين. وشيئاً فشيئاً تصير هذه الأيام مناسبات وراثية تُجسّد عبادة الأسلاف! وتندرج في قائمة الأعراف والتقاليد، ولا يبقى لها من قيمة خارج السياق التاريخي الذي تُعنى به الدراسات الإنثربولوجية الثقافية.

والأعياد أياً كانت سواءٌ دينية أو قومية أو سياسية ليست سوى تواضعات اجتماعية قد يكون لها ما يبررها في زمن ما، وقد تكون للتذكير بقيمٍ معينة و تجديد العهد بها، لكنها بمرور الزمن تستنفد مبرراتها وتعمل ضد الوعي بمتغيرات الزمن، وتغدو حُجْباً معرفية وسلوكية، وتفرض معايير بالية وتكتسب زبائنية تاريخية، إذا جاز التعبير، وسرعان ما تبرد فيها العاطفة ويحل فيها الفلكلور ويغدو الإعداد لها والحرص عليها من قبيل “هذا ما وجدنا عليه آباءنا”!

وبإعادة النظر خارج صندوق المُسلّمات يتبدّى العيد عادة اجتماعية رتيبة تكشف عن تمايز اجتماعي حاد؛ إذْ تفضح الفقراء المستورين بما تشترطه للفرح من مشتريات ومقتنيات وملبوسات ومأكولات وممارسات تغدو إكراهات وإلزامات وتكاليف وأعباء. ولا يوجد للعيد معنى خارج تلك المظاهر، وبسببها يغدو مناسبةً تثقل كاهل الأغلبية الساحقة من الناس في مجتمعنا الفقير.

 

والعيد في ذاته يومٌ تمييزي ضد بقية الأيام. وهو من أبرز المناسبات الدالة على قوة العادة وأثرها على التفكير البشري، وعملها على إلغاء وعي الفرد بفردانيته، وقولبته وتنميطه وتسييره بالقصور الذاتي لموروثاته ومحفوظاته، ورفع منسوب الحرص على رضا الآخرين ومجاراتهم وتثبيت المألوف، وترسيخ الماضي!

 

ووضع عددٍ من السلوكات الملازمة للعيد موضع المساءلة يكشف عن انغماسنا في النفاق الإجتماعي، ابتداءً من اقتناء مستلزمات العيد من ملابس ومأكولات وألعاب للأطفال، وانتهاءً بيوم تنفيذ سيناريو الفرح بالعيد، والخروج للصلاة وشراء لحمة العيد- إن لم يكن قد تم شراؤها-، واجترار التمنيات بالسعادة وترديد العبارات المسكوكة لهذه المناسبة والقيام بالزيارات الروتينية وتبادل المجاملات وتكرار العناق والمصافحة والتظاهر بالبهجة.

 

وخلال كل ذلك لا يحضر في بالنا غير التزّين و التجمّل غير عابئين بمن حولنا من الفقراء والمعدمين، وما ينعكس عليهم نفسياً من تبعات هذا الذي نفعل دون مبالاةٍ بمشاعرهم أو تقدير لظروفهم، وبسبب ذلك تنسرب في اللاشعور الجمعي لشريحةٍ واسعة من المجتمع مشاعر سخط ويتنامى الإحساس بعدم المساواة، وانعدام العدالة الإجتماعية، وتنتفي كل المزاعم عن كون العيد مناسبة لتعميم الفرح، مثلما تنتفي مزاعم أن الصوم مناسبة للفت نظر الأغنياء لجوع الفقراء.

 

وبذلك تصير الأعيادُ مناسبات للتباهي والتفاخر والزهو والتنافس على الإستهلاك، ولأن طقوس الأعياد مقرونةً بعددٍ من التصرفات والممارسات الشكلية في الأزياء والزيارات فهي تحوّل المناسبة من يوم للمشاركة الإجتماعية والمراجعة للعلاقات والبحث عن التقارب والتواصل إلى مناسبة للتمايزات الإجتماعية وإظهار الفروق المادية والطبقية بين الناس، وتقسيمهم إلى قادرين على الشراء وإلى عاجزبن عن الشراء.

وبين رحى العجز والرغبة يشعر الفقراء والمعدمون بالغصة والحسرة أمام أطفالهم وذويهم وهم يقفون عاجزين عن تحمّل تكاليف المناسبة التي صارت إلزامية. وبسببها تتراكم عليهم مسؤوليات وأعباء مادية، ويُجبرون على مجاراة المقتدرين ولو اضطروا إلى الاقتراض والوقوع في دوامة الديون! وبالنتيجة تتبدد أي شبهة فرح، بل ويرتهن الآباء لهموم الإعداد للعيد، وهموم سداد الديون ما بعد العيد.

 

وإذا كان العيد عيد الأطفال كما تقول العبارة المسكوكة فإن عيد الأطفال في أن نصنع لهم الفرح متى أمكن ذلك، وألا يكون ذلك ما أمكن عبر الاقتناء والشراء فحسب، حتى لايبدو الأمر وكأنَّ الفرح يُشترى ويُجتلب بشيءٍ من الملبوسات والمأكولات والألعاب! فمثل هذه التصرفات تجرُّ معها تبعات على تنشئة الأطفال وتدجينهم وتنميطهم وتسكينهم نفسياً وفكرياً في زمن الأجداد، خارج زمنهم وتاريخهم ومستجدات حياتهم.

 

والطفل الذي يُنشأ على ذلك تتنامى في وعيه مسألة تقييم الذات بمقدار ما تملك، وما تستطيع أن تشتري، وينعكس ذلك على تنمية الرغبة في الامتلاك، ومن هنا يتم تشييئه و تسليعه وإدخاله ماراثون الاستهلاك. ووقوعه في فخ المقارنة بالآخرين وتقييم ذاته بما هو خارجها وليس فيها. إلى أن يفقد الرضا عن الذات وعن الوالدين، وربما اندفع لإشباع رغباته في الإمتلاك عبر تصرفات عدوانية!

 

وقد تُساق تبريرات عديدة لهذه المناسبات وبيان أهميتها في توحيد المشاعر وتعميم حالة فرح معين، وإعادة صيانة وترميم العلاقات الأسرية وتفقّد أحوال الأقارب والأرحام.

 

لكن هذه التبريرات ليست سوى تأويل وأمنيات تسهم في ترويج المناسبة وإضفاء قيمة معينة عليها، وأما في الواقع فلم تعد الأعياد سوى شكليات جوفاء تفتقر للدفء الإنساني وتفتقد للصدق وتأخذ طابع الطقس المستنفد لقيمته وحيويته بفعل التكرار إلى حد الألفة التي تقرنه بالرتابة والسأم. وما يتبقى من هذه المناسبات أشبه بالبرتوكولات والمراسيم!

 

أما الفرح فيمكن التعبير عنه كل يوم إنْ وجد الفرحُ حقيقةً في النفوس، وليس في الطقوس، بل إنَّ الفرحة حين تحدثُ في النفس فإنها تُوجِد مناسبتها، وليست المناسبة هي التي تُوجِد الفرح.

والفرح المحددُ بزمنٍ يجعل من التعبير عن الفرح افتعالا لا انفعالا، ويستدرج المشاعر إلى النفاق الإجتماعي! ويصيّر المناسبة موعدا للتقمص والتمثيل!

ومن سلبيات هذه المناسبات أنها تلعب على البعد الجمعي وتطوّر شكلا من أشكال العصبوية المُقنّعة بالفرح، وتعمل على تعزيز غريزة القطيع و تجييش المجتمع وقولبته وتنميطه في سلوكيات عامة  وإيجاد مشتركات وهمية تتمثل موسمياً في كرنفالات وتجمعات طقوسية .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*