شاكر خصباك.. ريادة ممتدة 

 

ـ كتب : عبد الباري طاهر

 

(23)
محمد جميل فارع المتفوق دوماً

الأستاذ الجليل الدكتور شاكر خصباك أديب وعالم ومفكر متعدد المواهب. فهو ناقد أدبي واجتماعي وسياسي. فقد كتب النقد منذ أربعينيات القرن الماضي. و(كتابات مبكرة) التي تعود إلى العام 1945/1946 تشهد على تمكن ونبوغ هذا المفكر والعالم في قراءة النصوص الريادية في القصة والرواية والحياة الاجتماعية: السجون، ومكانة المرأة في المجتمع العراقي. وهو مثقف عضوي واسع الاطلاع. ويمتلك تجربة حية وعميقة بالواقع العراقي والعربي. وهو متابع جيد للحياة الأدبية: قصة، وشعراً، ومسرحاً، ورواية، ونقداً. فقد ترصد باهتمام بالغ البواكير الأولى في القصة والرواية والمسرح عند روادها الأوائل: محمد ومحمود تيمور، وميخائل نعيمة، وجبران، ورئيف خوري، وطه حسين، بل إن أستاذنا الدكتور شاكر واحد منهم، وتربطه ببعضهم صلات وعلاقات حميمة.
في (كتابات مبكرة) تبرز موهبته الناقدة في دراسة البواكير الأولى لرواد القص والرواية والحياة الاجتماعية بصورة أوسع. فهو يساري عميق الرؤية. وديمقراطي حقيقي وقومي بالمعنى الفكري والثقافي. وكما قرأناه ناقداً للبواكير الأولى عند رواد القصة والرواية والأغنية: فريد الأطرش، أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، ونظرية الفن للفن، فقد نقد بعمق ونفاذ بصيرة حياة الفلاح الذي يتغنى المغنّون بعيشته التي ما أحلاها بينما ينهشه الجوع والملاريا والبلهارسيا ومختلف الأوبئة والجهل.
وتمثل مسرحيته الرائعة (الدكتاتور) قراءة من أعمق القراءات لتاريخ ومسار الاستبداد عبر الزمان والمكان. فالكرسي (البطل الرأس) للمسرحية هو المكان الأول للتحولات الراعية لسيرة الأبطال التاريخيين الذين بدؤوا حياتهم مكافحين ضد الدكتاتورية والظلم، وما أن ينتصروا ويجلسوا على الكرسي حتى يتحولوا إلى طغاة وأباطرة وقتلة لأعز رفاقهم وأقرب الناس إليهم. فالكرسي حسب المسرحية الكاشفة ما أعظم سلطانه وأشد عذره فهو منتها آمال الشعب ومآسيه في آن.
في الدكتاتور نقرأ الأستاذ الجليل شاكر كعدو رقم (1) للدكتاتور. فهو يترصد مساره الإمبراطوري ابتداء من نابليون بونابرت رجوعاً إلى حمورابي فهتلر وقيصر فستالين ورمسيس فالإسكندر المقدوني فالزعامات القومية الثورية العربية. وهو ما يعني إدراك هذا المفكر أن الطغيان لا وطن له ولا جنس ولا دين ولا قومية ولا يرتبط بمكان أو زمان. ويبقى الكرسي الرمز الأكثر دلالة على تحولات الحاكم وتبدلاته الراعية. تقرأ الدكتاتور عبر الأزمنة كلها والكوكب كله وكأنك تقرأ وتتقرى سيرة أنموذج فاجع يتكرر، تختلف السمات والصفات ولكن الفصل الفاجع واحد. فما الذي يميز في عصرنا الراهن الطغاة الصغار والكبار في أمتنا وفيما حولنا أو في الكوكب الأرضي كله عن الإسكندر الأكبر أو يوليوس قيصر أو هتلر غير اختلاف الزمان والمكان والأدوات والزبانية؟
إن الكفاءة والمقدرة المختص بها شاكر خصباك هي سفر كفاح وتجربة علمية وحياتية غنية وعميقة. وإنها لسـفر معرفة متنوعة ومتعددة تترافد وتجربته الحياتية الممتدة -أطال الله عمره- لأكثر من ثلثي قرن مع تجربته المعرفية والعلمية المتواصلة والمتواشجة لما يزيد عن نصف قرن لتجعل منه رائداً من صناع الديمقراطية والعدالة والحداثة.
ولا يتجلى المعنى الزاكي لترافد التجربة الحياتية والمعرفة في شيء كتجليها في غنى وتنوع وتعدد مواهب الدكتور شاكر وعطاءاته التي تصل إلى واحد وثلاثين ما بين القصة والمسرحية والرواية والخواطر الفلسفية والنقد. وله ما يقرب من اثنين وعشرين عملاً في تخصصه العلمي الجغرافي. ومؤلفاته العلمية تسعة كتب وكلها كنوز علمية وإبداعية تخلد صاحبها. وتجعل منه علاقة مضيئة للباحث والعالم والمفكر.
لقد وهب الدكتور شاكر نفسه باكراً للكتاب. وسفح سني عمره وطفولته في القراءة منذ الصِّبا. وهدته القراءة والكتاب إلى التعرف على أفضل عقول وعلماء وأدباء عصره من معاصريه: طه حسين، والعقاد، وباكثير، والمازني، وجبران، وميخائيل نعيمة، وتوفيق الحكيم. كما تعرف على أدباء ومفكرين عالميين: لامرتين، وهوجو، وغوته، وقرأ إبداعاتهم.
والعبقرية كصياح الديك تعلن باكراً عن نفسها. فقد كتب القصة القصيرة وهو في السادس الابتدائي. عاصر وتتلمذ على رواد القصة القصيرة العرب والعالميين: محمود تيمور، جي دي موباسان الفرنسي، وهوغو، وبلزاك، وغوستاف فلوبير، وتشيخوف. والدكتور شاكر به ناقد بامتياز فرغم دفاعه الموضوعي والمجيد عن رائد القصة القصيرة المصرية محمود تيمور. وإعجابه الشديد بأسلوبه المائز والفريد إلا أنه يوجه له النقد اللاذع عندما يعيد صياغة قصصه بالفصحى، ويتجاهل -أي تيمور- الصدق الموضوعي للمتحاورين الأميين من الفلاحين والباعة بعد أن أصبح عضواً في المجمع اللغوي.
منذ البدء عزف عن الشعر واندغم باكراً في القصة قراءة وكتابة. فالتلميذ في المتوسطة تتجمع لديه مجموعة قصصية ما إن يلتحق بالجامعة في القاهرة حتى تكتمل في (صراع) في العام 1948. ويقوم الأستاذ عبد المجيد لطفي بتقديمها. ويكون الناقد علي جواد الطاهر أحد أهم مشجعيه.
ورغم حداثة سنه فقد غطى نشاطه الأدبي والصحفي والنقدي وأقاصيصه العديد من الصحف السيارة حينها، وبالأخص في وطنه العراق أولاً، ثم يمتد إلى مصر فتكتب عنه المفكرة الإسلامية (عائشة عبد الرحمن) بنت الشاطئ. ويتناول مجموعته القصصية الأولى النقاد في مصر وتكتب عنها العديد من الملاحق الأدبية والمجلات. ومنها: المقطم، والدنيا الجديدة، والصباح، ويمتد الأثر إلى الأبعد. ويتناول العمل الروائي غائب طعمة فرمان في (الرسالة) أشهر المجلات الأدبية حينها.
إن هذا المبدع الإنسان ظل يحرث عمره وإبداعه في الدفاع عن القيم الإنسانية الرائعة والعظيمة: العدل، المساواة، الحرية، الديمقراطية. وجل مؤلفاته على كثرتها الكاثرة أسلحة مشرعة في خاصرة ونحر الدكتاتورية والفساد والظلم.
فقد دافع مبكراً عن حق الأقلية الكردية في العراق. وهي المشكلة التي قرأها عالمنا بعين الضمير الإبداعي اليقظ والحي، في حين كان يغطي عليها ركام من التمييز العرقي والاستعلاء الديني. ومعروف أن الأمة الكردية كالأمة العربية كلاهما تعرض للقمع والاحتلال والتمزيق. وكان تآخي الأمتين في العراق مثالاً للتسامح والتآخي في وحدة المصير. وقد حظيت أو رزئت أمتنا باثنين وعشرين دولة بالمعنى المجازي. فقد حرم الكرد من حقهم في بناء دولة الأمة، وكان العراقيون أكثر إدراكاً لعدالة القضية الكردية كقومية وحقها في الحكم الذاتي.
كان المفكر الإنسان شاكر خصباك من أوائل من التقط خيط القضية الكردية. وكانت مؤلفاته سواء الجغرافية الأكاديمية أو الأبحاث العلمية اللاحقة، والتي تصل إلى تسعة مؤلفات. أو المترجمة في تخصصه نفسه كعالم جغرافي. وهي تصل إلى اثني عشر كتاباً مترجماً.
والحقيقة أن العناية والاهتمام الباكر بالقضية الكردية لا يخدم الأكراد فحسب كإشارة الدكتور شاكر وإنما يخدم العراق كبلد متنوع ومتعدد ومتآخ. وأضيف أن الحل الذي رآه مفكرنا لا يخدم العراق وحده وإنما يخدم الأمة العربية كلها وقضايا مصر ولبنان والسودان والجزائر والمغرب وسوريا.
لقد أدرك الدكتور شاكر باكراً أن الشوفينية والاستعلاء الديني سببان جوهريان لمحنة الأمة الكردية. وقد أسهم الاستعمار في تغذية الصراع والدفع به إلى التفجير.
وهناك ملمحان مهمان في تفكير الدكتور خصباك، الأول: إدراكه الفطن والعميق لمآسي الكرسي وتبعات وويلات الدكتاتورية وما يتناسل منها.
والملمح الثاني قراءة لحق المرأة والأقليات (الأكراد) ودفاعه المجيد عن حقها في الحرية والعدالة والمساواة.
وقد ترك أستاذنا الدكتور شاكر تركة علمية وإبداعية تتميز بنزعة الاستقلالية والموضوعية ونزاهة العالم الصادق والشجاع.
مرة أخرى تحية إجلال وإكبار ومحبة لهذا العالم الذي سفح العمر والفكر بجهد ودأب قل نظيرهما. تحية للأستاذ الجليل الدكتور عبد العزيز المقالح ولمركز الدراسات والبحوث اليمني. وكم نتمنى لو أن الجامعات التي عمل فيها أستاذنا الدكتور شاكر تتبنى فكرة التكريم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*