عن خطاب الفتوى!

 

*محمد فائد البكري

(17)
نسيتُ لماذا أحبك!

ينشط خطاب الفتوى مع قدوم شهر رمضان أكثر من أي وقتٍ آخر، وتكتظ الفضائيات بالعمائم واللحى والأزياء الدينية والعبارات المسكوكة والوقار المُدَّعى، ويبدأ موسم الخوف من الله في التمدد على كل صغيرةٍ وكبيرة.

ونتيجة للكسل الذهني وتواكل بعض المتدينين على آخرين في قراءة النصوص الدينية واستخلاص حاجته منها، يتكاثر المنتفعون من هذا الكسل؛ ويدَّعون أنهم أهل الاختصاص والمعرفة بالفتوى ومنهم من يزعم أنهم أهل الذكر المعنيين بالآية القرآنية: “فاسالوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون”.

وينشئون لجاناً للفتوى و هيئات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجماعات تعمل بروح العصابات يسمونها جمعيات كبار العلماء! ومن خلال تلك الأقنعة الدينية يعملون سدنة للمعبد وحراساً للحقيقة الإلهية ووكلاء للسماء.

 

فوضى الفتاوى:

من المضحك المبكي أن أشهر معارك الفتاوى دارت في سياقات فضائحية كان فيها ما يمكن أن يدفع الجمهور إلى الزهد في الفتوى والتساؤل عن حاجتنا إلى فتاوى من مثل فتوى رضاع الكبير، ونكاح البهائم، وقضايا غريبة مثل مضاجعة الزوجة الميتة أو ما يسمونه ضجاع الوداع!

ومن المستفتين من يسأل أسئلة ساذجة في قضايا هامشية جداً وكأنَّه يسخر من المفتي، وهو يشبه السؤال القديم عن دم البعوضة.ومن ذلك أسئلة عن حكم استعمال قطرة العين أو قطرة الأذن أو استخدام الكحل في نهار رمضان، وأسئلة عن حكم تقبيل الزوجة أو مداعبتها، وأسئلة عن أحكام السواك، وبلع اللعاب.

ورغم كل ذلك لايفتي المفتي بأن مثل هذه الأسئلة مضيعة للمال والوقت والجهد، وأن عدم السؤال عنها لايضر المرء شيئا، و إن حديثاً صريحا يقول: استفتِ قلبك، ثم استفتِ قلبك ثم استفتِ قلبك، وإن أفتوك وإن أفتوك، بمعنى أنه يُعيد الأمرللتقديرالشخصي،

ويحمّل الفرد-كل فرد في المجتمع- مسؤولية تصرفاته وسلوكياته وتقديراته.

ولا تتم التوعية بأن من أمور الحياة ما يكفي الإنسان أن يرى فيه رأيه، من باب قول الرسول: “… أنتم أعلم بأمور دنياكم”.

ومن المفارقة أن يقال إن الفتوى مخصوصة بحال السائل فهي لا تصلح لأحد غيره. ومع ذلك تُطبع مجلدات باسم مجموع الفتوى ليتم حفظها واستنساخها واجتراراها في سياقات خارج تاريخها وخارج مجتمعها.

وأكثر من هذا أن بعض ما يُسمَّى بدار الإفتاء أعدت خطوطا ساخنة للرد على الفتوى وبعضها أعدت تطبيقاً على الهاتف لاستقبال أسئلة المستفتين والرد عليها، وتجاهلت ما يُقال كثيراً عن أن الفتوى مشروطةٌ بمراعاة مقتضى حال المستفتي! .

 

استراتيجية الفتوى:

 

يتخذ خطاب الفتوى استراتيجية الحلال والحرام المنسوبين إلى طاعة الله، ومعيار الحلال والحرام لا يقبل النظر في نسبية الأحكام وزمنيتها و تترتب عليه قضايا بالغة الخطورة مثل التكفير والتفسيق وأحكام الردة، ودعاوى الإحتساب وزعم إنكار المعلوم من الدين بالضرورة.

والأوصياء على النصوص والطقوس هم الذين يقررون ويحددون ما هو حلال وما هو حرام، وما يغضب الله وما يرضيه. وكأنما أرتفعت الحُجب بينهم وبين الله، وبذلك تتعاظم سلطتهم ومصالحهم، ويتفننون في احتكار المعرفة المقدسة!

وتضخيماً لدورهم يقسمون الفتوى إلى عامة وخاصة، وكبرى وصغرى، وبعضهم يجتر فتاوى قد عفا عليها الزمن دون أن ينظر في سياقها التاريخي وعدم ملاءمته لسياق الحال أو المكان، لتغيَر الزمان والمكان وشخص المستفيد من الفتوى.

وحين يقعون في مآزق أمام البحث العلمي يعمدون إلى التذرع بأن العلم عند الله، وأن مَنْ اجتهد فأخطأ فله أجرٌ ومن اجتهد وأصاب فله أجران.

وفي العموم يبدو خطاب الفتوى امتدادا لخطاب العُرف في الحفاظ على ماضويته وتفويض أمر الجماعة لرأي فرد واحد. ويستمدُ هذا الخطاب قوته من الحنين إلى الزمن الذي يظنونه جميلا بالمطلق، ويرون فيه حالةً مثالية معصومة من الخطأ.

وبالنتيجة يُصادر خطاب الفتوى الواقع ومتغيراته ومستجداته ويخضعه للماضي وأحكامه، ويجعل من المشتغلين بالفتوى أوصياء على حياة الناس الراهنة بدعوى معرفة أوامر الله ونواهيه والحرص الشديد على الامتثال لتعاليمه سبحانه تعالى.

 

تجارة الفتوى:

لا تتعب مكائن الفتوى ولا تخجل من الإفتاء حتى في قضايا طبية واقتصادية وعلوم الفيزياء والأحياء والكيمياء والفلك التي تحتاج للتخصص الدقيق والبحث العلمي الدؤوب والتجربة العملية. وشهيرة تلك الفتاوى التي كفّرت من يقول بكروية الأرض ودورانها حول الشمس، والفتاوى التي تقحم أنفها في تفسير ظواهر كونية مثل خسوف القمر وكسوف الشمس ونزول المطر، وتحديد نسب المولود، ومع رمضان تشتجر الفتاوى حول رؤية هلال رمضان من عدمه لتحديد أول ايام الصوم. وهلال العيد، وغيرها من القضايا التي صار قول العلم فيها حاسما، ولم يعدْ فيها مكانٌ للمفتي ولذهنيته التأويلية وألاعيبه البلاغية.

ولرواج الفتوى واتساع سوقها اخترعتْ بعض الهيئات الدينية ما أسمته باللجان المختصة بالإفتاء، بزعم الحرص على ضبط الفتوى وتدقيقها. ويحدث أن بعض أعضاء لجان الفتوى يستثمرون عضويتهم في هذه اللجان في إصدار فتاوى ويشتغلون بها في الفضائيات حتى بعد أن انتهت مدة عضويتهم لتلك اللجان و يظل بعض هؤلاء يصف نفسه بالشيخ ويلقب نفسه بعضو لجنة الفتوى مكتسباً هالة دينية، ومدعياً مكانة علمية، ومن هؤلاء من يعيش حياته كلها يزايد على الآخرين ويتكسب بالدين ويعتاش من إدعاء الدفاع عن حدود الله، يطلق الفتاوى في كل اتجاه غير متورّع أو متحرِّج، وكأنَّ الفتوى مهنة!

وهو ما يثير التساؤل عن مدى جدوى الاستفتاء عبر التلفونات أو حتى عبر التواصل التلفوني مع الإذاعات والقنوات الفضائية وكيف يمكن للمفتي أن يتفهم خصوصية المستفتي وتقدير مقتضى حاله بمجرد طرح سؤال على الهواء؟!

وبالنظر إلى تاريخ الفتوى يتضح أنها كثيرا ما تم استخدامها سلاحا سياسياً ونشط فيها عددٌ من وعاظ السلاطين. وعددٌ من المشتغلين بمصالح ذاتية تتقمص الورع والتقوى واللعب بالبيضة والمسواك، أوالمنكفئين على ثقافة تقليدية لا تفرق بين الدين والتدين الذي تراه.

وفي اليمن لنا أن نتذكر فتاوى تكفير عدد من الكُتّاب، و الفتوى الشهيرة ضد دستور الوحدة اليمنية، والفتوى في حرب صيف 1994م وتداعياتهما على العيش المشترك.

ومخاطر ما تفعله فتوى

فرد واحد بملايين البشر!

 

وقديماً كان السؤال :هل يأخذ المفتي على فتواه مالا، وهل هذا المال حلال إن اضطر المفتي لأخذه؟ وهو سؤالٌ يجب أن يطرح على المفتي الذي أصبح في ليلةٍ وضحاها نجماً تلفزيونياً ينتقل من قناة إلى أخرى.ويأخذ باليمين وبالشمال بدل ثرثرة وبدل مظهر ديني، وبدل الجرأة على الفتيا، رغم أن حديثاً نبوياً صريحا يقول: “أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار”

معايير الفتوى:

حين يدور النقاش مع المفتين حول معايير ومحاذير الفتوى وإمكانية وقوعها في الضرر، وما يتسبب به إشهارها في الفضائيات من تعميم ذلك الضرر، يقولون إن الفتوى ليست سوى رأي أو مشورة والمفتي ليس معصوماً من الخطأ، والسؤال: إنْ كان الحالُ كذلك فما الداعي لنسبة الفتوى إلى الدين وحشرها بين ثنائية الحلال والحرام.

وخصوصاً أن ما يسمى شروط وضوابط الفتوى، في معظمها لايمكن قياسها والتحقق منها، وتخضع لمعايير شكلية مثل الحفظ والترديد والتقليد وأدعياء أهليتها كثيرون.

 

تقنين الفتوى:

يلحُ سؤالٌ عن جدوى خطاب الفتوى ومدى الحاجة إليه! وسؤالٌ عن أثر الفتوى على فهم الفرد لدينه، وسؤالٌ عن مسؤولية المفتي عن إشاعة التواكل في الفهم، وادعاء المعرفة بالدين! وسؤالٌ عن مدى معرفة المفتي وأهليته وخصوصاً أن معظم المفتين اكتفوا بتحصيل محفوظات محسوبة على الدين،ولم يتخصصوا في دراسات علمية منهجية، ومنهم من يفتي بكل يقينٍ وثقة في قضايا لا يفهمها مثل قضية كروية الأرض ودورانها حول الشمس، بالرغم من أنه كان يمكن أن يكتفي بإعادة السؤال إلى أصحاب الأختصاص أو بالقول: لا أعلم ومن قال لا أعلم فقد أفتى.

ونتيجة لتمادي المفتين في إدعاء العلم بكل شيء رأى البعض ضرورة تقنين الفتوى للحد من فوضى الفتاوى، وأملاً في جعل المفتي مُقيدا بالقانون ومؤهلاً لأنْ ينتج فتوى لا تتصادم أو تتعارض مع القانون، إلا إن المطالبة بتقنين الفتوى لايحل المشكلة لأن التقنين يوهم بأن للفتوى مشروعية قانونية عامة و يزيد من اللبس بين سلطة القانون وسلطة المتذرعين بالدين.

وتفصيل ذلك أن المناداة بالتقنين -على ما يبدو فيها من الحرص- تنسى أن خطاب الفتوى يستغل العاطفة الدينية لدى جمهور عريض من البسطاء المتدينين ويعمل على توظيفها في سياق الحلال والحرام بحسب النصوص المحفوظة من أحاديث نبوية وأقوال مأثورة عن فقهاء المذاهب.

والخلاصة في ذلك أن خطاب الفتوى بما لديه من إرث تاريخي وما يجده من بيئة اجتماعية تفتقر للنظر النقدي والتفكير العلمي يغدو أقوى من القانون، ومن ثَمَّ يتسبب التقنين بالازدواج بين خطاب الفتوى واحترام القانون، ويشتت المصلحة العامة بين رأي المفتي و السلطة التشريعية ممثلة بالبرلمان.

ودليلا على ذلك لنا أن نتذكر معركة قانون تحديد زواج الصغيرات (القاصرات) الذي قدَّمه بعض أعضاء مجلس النواب، وحينها دعتْ بعضُ الوجاهات الدينية إلى مظاهرات مليونية ضد القانون المُقترح، وكانت دعوات هؤلاء مسموعة وأخرجت الآلاف من النساء من مختلف الأعمار للتظاهر ضد القانون بحجة أن ذلك مخالف لشرع الله قياساً على قضايا شخصية طواها التاريخ. ونتيجة لذلك الضغط والحشد المدجج بالفتاوى توقف البرلمان عن مناقشة القانون وسقط الأمر في غياهب النسيان وخسرت الدولة والمجتمع .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*