قلوب لا تشيخ

 

مصطفى يحيى الضحوي

(3)
قلوب لا تشيخ

أثناء مروري بحارتي القديمة تذكرت أيام الطفولة …

كم كانت جميلة ..كل زاوية من الحارة لها ذكريات جميلة ، وكل ركن في أزقة حارتنا يتحدث عن أوقات ممتعة قضيتها هناك …

لكنني لن أنسى المرأة الطيبة

الخالة (سادية) جارتنا الطيبة عندما كانت تحن علينا ، وتجلب لنا الهدايا المختلفة.. كانتْ المبادرة في ذلك فقد كسبت قلوبنا بإنسانيتها وحبها للجميع

كانت تعطف على كل أبناء حارتنا إنها رائعة !

كونها الثرية الوحيدة في الحارة.

توقفتُ أمام مدخل العمارة التي كان بها شقتنا قبل انتقالنا إلى بيتنا الجديد الذي بناه أبي في الحارة الجديدة .

كم أفخر به حينما يسألونني ابن من أنت ؟!..أقول لهم ابن سليم

كانت أيام عصيبة و جميلة في آن واحد

كان وقوفي لأتأمل الحارة وكأني أعانقها وأستمتع برؤيتي لها ..يا الله عمي (حسنين)

التفت إلى ناحية دكانه فإذا هو مغلق.

سألت عن العم (حسنين) ، بعض المارة أخبروني بأنه قد توفي.. انتابني الحزن… وسرتُ حتى وصلت باب الدكان وتحسسته بيدي وكأنني أتحسس وجه عمي (حسنين) وألامس كفيه الحانيتين

آه ..آه ..زفرة أحرقت كل فرحتي بالمكان حزنا على هذا الرجل ..

كم كان يمتلك قلبا مرحا و روحآ نقية ..

كان يعطف على الفقراء والمساكين فلترقد روحه بسلام …

عدت إلى مدخل العمارة وحينها وجدت أحد سكان ذلك المبنى ..استوقفته وسألته عن

الخالة (سادية) أخبرني بأنها في أحد دور العجزة و المسنين .. نزل الخبر كالصاعقة ..أيعقل أنها بعد الثراء أفلست ؟!

ما الذي حصل لها؟!

تواصلت مع أحد أصدقائي في حارتي القديمة ..وسألته إن كان يعرف مكان تلك الدار التي تنزل فيه الخالة (سادية) لكي أذهب إليها ..فأجاب :نعم

و بالفعل حدد لي المكان و أعطاني العنوان ..

ذهبت لتلك الدار وكلي شغف لرؤية تلك المرأة الطيبة وسماع قصتها

و عند وصولي إليها نظرت إلي بتمعن و قالت لي (أحمد) ؟!

( ظننت بأنها لن تعرفني ..)

لقد كبرت.. و بابتسامتها الساحرة المليئة حنانا وطيبة ..كم أنت جميل تعال..

اقتربت منها و احتضنتني ..

لقد توقعت زيارتك لي يا أحمد..

جميع من في الحارة لم يزرني قالتها ودموع عينيها تتساقط كحبات البلور ..

كانت مقعدة على السرير لكن صحتها جيدة .. لديها غرفة أنيقة و مرتبة..عكس ما كنت أتوقعه …

جاء إلينا مسئول دار العجزة و رحب بي ترحيبا حارا …أثناء حديثه معنا قال بأن هذا الدار هو ملك السيدة سادية ..هي من بنت هذا الدار …و أرادات المكوث فيه مع بعض المسنين المساكين ..لتعيش فيه آخر سنين عمرها ..فأنت تعرف لا أبناء لها ..أشارت بيدها نحوي

كأنما أرادت أن تقول له : هذا هو ابني ..

استأذن المدير وانصرف عنا..

كان بجوار الخالة سادية زر قامت بالضغط بعد ذلك أحدث صوت جرس .. جاء إلينا أحد العاملين ..

طلبتْ منه إحضار الكرسي المتحرك..أخذنا الخالة سادية

في فسحة في حديقة الدار و تحدثنا مع بعضنا ..مجمل حديثنا عن ذكريات الحارة القديمة.

كانت فرحة جراء زيارتي لها ..

لقد كنت متوقعة بأنك سوف تزورني يا أحمد ..

و كم كانت مستاءة من أهل الحارة لم يزرها أحد منهم ..

ثم أشارت إليَّ ..اقترب

اقتربت منها وكأنما تريد أن تقول لي سرا لا تريد أحدا أن يسمعه ..همست لي قائلة :

مازلت ثرية أيها الولد النبيل..

ثم بدأت بسرد حكايتها كأنما أرادت أن تتخلص من حمل ثقيل جاثم على صدرها والعبرة تخنقها بين الكلمة والأخرى ..لقد فهمت سبب اختيارها البقاء في دار المسنين..

فأثناء مكوثها في إحدى شققها أصيبت بوعكة صحية الزمتها الفراش .. و رأت بأنه لم يقم أحد من الحارة بزيارتها عندما لم تستطع الحراك…ظنوا أهل الحارة بأنها مفلسة.. طلبت من المحامي أن يقوم بتجهيز إجراءات بناء هذا الدار

سألتني كيف حال سناء ؟

قلت لها إن أمي بخير وهي تسلم عليها ..اطمأنت خالتي سادية ..لعلها كانت تظن بأن أمي قد نسيتها

وسأخبرها بمكان إقامتك الجديد و سوف تقوم بزيارتك في أقرب وقت

ثم سألتني: كيف هو سليم؟!

أبي بخير

يقضي أغلب وقته خارج المنزل بحسب عمله الجديد ..

و أمي مشغولة بأوضاع البيت..

ابتسمت جراء ما قلته لها .

استأذنت منها لكي أذهب ، بعد أن أقوم بإيصالها لغرفتها.. وعندما أوصلتها الغرفة قلت لها سوف أزورك كل أسبوع …

ابتسمت و ناولتني مظروفا ..

لمن هذا المظروف يا خالة ؟

هذا لأمك ..

عندما تكون بالبيت قم بتسليمه لها .. ودعت الخالة( سادية) و انصرفت …عندما وصلت البيت بادرتني أمي

عن أحوال الخالة (سادية)

أخبرتها أنها بخير و مشتاقة لزيارتك لها ..وأخبرتها قصتها

حزنت أمي لسماع ذلك..

ناولتها الرسالة ..

لقد أعطتني هذا المظروف لك .

فتحت أمي المظروف فإذا هو عبارة عن صك تمليك …

جلست على الأريكة لكي تقرأ ..

فإذا هو صك تمليك للشقة التي كنا نسكنها في حارتنا القديمة ..و باسم(سليم)..إنها باسم أبيك ..يا الله..!

اندهشت و انفجرت بالبكاء …

أخذت منها الورقة لأقرأ ما بداخلها

نعم إنه صك ملكية شقتنا القديمة و باسم أبي..

فكان الحزن والدهشة يلفاننا أنا وأمي .

حضنت أمي لكي تهدأ روحها فقد اشفقت عليها من شدة البكاء ..

هدأت أمي قليلا ، ثم حكت لي كل شي ء ..

ليس لدينا علم بأنَّ الشقة التي كنا نسكنها هي ملك الخالة (سادية)

كان أبوك ..يسدد إيجار الشقة في البنك شهريا…

حتى عقد إيجار الشقة تم تنفيذه عن طريق البنك …لم نكن نعلم أنها أرادت أن تكون الشقة لنا ولكن بطريقة أخرى ..فالإيجار كان ثمنا للشقة ..أخذت ثمن الشقة ولكن على شكل إيجار يسدد شهريا للبنك..

يا الله كم هي عظيمة هذه المرأة ..بعد أن استوفت قيمة الشقة كتبتها باسم أبي ..وكأن أبي سدد قيمتها أقساطا شهرية …وهو لا يعلم ..حتى أن تاريخ الصك قديم .يحكي آخر شهر مكثناه في تلك الشقة.

لقد كانت طيبة و رحيمة .. المبادرة الإنسانية التي قدمتها لنا لن ننساها …

وكأنها تكافؤنا على وفائنا وزيارتنا لها والسؤال عنها ..ولم ننسها مثلما فعل سكان الحارة ..

القلوب الوفية تتأثر حينما يبادلها الآخرون الوفاء ..حينها يكون العناق الطاهر ..وتتفتق عن ذلك براعم الحب لتكبر مع الأيام وتعكس نور البشر الذي لا يستطيع ظلام الحقد إخفاءه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*