جزرٌ في سراب 

ـ شعر : 

(22)
جزرٌ في سراب 

جزرٌ يلوحُ
على سرابِ العابرينَ إلى الخَلاصِ
زَهَا ببشرٍ من شمالِ اليأسِ
مرتفعٌ بما يَصبُو لَهُ حرفُ النداءْ ،
واليُمنُ خفضُ الصوتِ ينتزعُ الخُطَى ،
يمشي ويحملُ فوقَ صدرِ الحزنِ معصَمَهُ الكسير .

.
جزرٌ خياليٌ بدا
ينمو ويلمَعُ كالنَّدى في ذهنِ عاشقةِ القمرْ ،
في عينِ من لصَبَاحِهِ ذَرَفَ النَّظرْ ،
ينأى ويظهرُ حائرًا ،
كالحبِّ في قلبِ الضجرْ ،
كالشّعرِ حينَ يُجَادِلُ الآلامَ ؛ يبتكرُ الذرائعَ ؛ كالتهورِ في اختراعات الصور.

.
جزرٌ يغازِلُ حُلمَنا ،
نهفو ونلهثُ نحوَهُ ،
كضفادعٍ عطشَى إلى الماءِ النقيعِ
نضيقُ في الدَّربِ الوسيعِ
إليهِ نُحشَرُ كُلُّنَا ،
يتزاحمُ اللَّحمُ الوجيعِ مع الوجيعِ
وتفتحُ العينُ الحزينةُ للسُّرَى
جفنَ الغبارِ وتندثرْ ،
جفنَ الحصارِ وتنكسرْ ،
وتـرى الوصولَ بلا معاذٍ ينتظرْ ،
وتـرى الفضاءَ بلا وشاحٍ يكفهرْ ،
وترى ولكن الشظايا لا ترى ! فمن التوجُّسِ كادَ إيمانٌ يَفِر.

.
جزرٌ خفيٌ موهِمٌ ،
وحقيقةُ الأشباحِ ترقص
في دماءٍ صامتةْ ،
تصحو وتغفو تحت جفنٍ خائنٍ ،
تلهو وترفُل تحتَ ظلٍّ من عنادْ ،
والحُلم يشخَصُ نحو بابٍ موصدٍ
يَبْقَى ولا يدري أمعجزةٌ لهُ تُبقيهِ
أم ماذا هنالك للبقاءْ؟ ،
ينسى لتحفَلَ روحُهُ بالذَّبذباتِ الصاخبةْ ،
فتمرُّ من أذنيهِ تعوِي بالرَّدى ،
كأنين زوبعةِ الرِّياحِ الخالياتِ من النَّدى،
كرجيعِ ما توحيهِ أنَّاتُ الثَّكَالى
من حنينٍ صابرٍ ،
من بعدِ أن بلغتْ دموعٌ بالتباريحِ الزُّبَى.

.
جزرٌ يخاتلُ كالرُّكامِ من السَّحابْ ،
كسفينةٍ توَّاهةٍ والموجُ ربَّانٌ لها ،
كبليةٍ تُبْلِي قِوى البَلوى ،
حتَّى تفوحَ الآهُ من نارِ المناضلِ
سُكَّرًا في كأسِ تُجارِ المنايا ،
لكنَها عينُ الشَّرارةِ ـ يا عشيق الحِلو ـ
تَبْقَى دائمًا عمياءَ إلاَّ قصدُها ،
حدسُ المَرَارةِ غيرُ مهتمٍ
أثُقْبٌ سوفَ يُبتدئُ الحريقْ؟ ،
أم ما تخبئُهُ الطريقْ؟ ،
أم ضيقُ قلبٍ سوفَ يلمَعُ في الفضاءْ ،
حلمُ الشَّرارةِ دائمًا لا ينطفِي ؛
حتَّى وإن لبَسَ الظَّلامُ الثَّلجَ
أو جَفَّتْ عيونُ النَفطِ
واحترقَ الحريقْ ،
أذكى المَرَارَةَ قصدُها ،
والجزرُ نيرانُ الحَزَن.

.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*