لا تقف الكلمة المجروحة عند حدود الصدى! قراءة في مسحوق التعب اليومي

 

*محمد فائد البكري

 

 

(11)
نسيتُ لماذا أحبك !
(11)
نسيتُ لماذا أحبك !

بين الذات والحياة يعمل خيال الشاعر عبد الوكيل السروري على جمع حطام الأحلام و أشلاء الذكريات، ولأنه متمرسٌ على اللامبالاة؛ فقصيدته لا تحرص على توزيع المهام جماليا بين الكلمات، وعفويا تجيء من حيث لا يرصد لها معنى قديماً ولا يترصدها بشجنٍ حديث، وهي لذلك تأتي مكتنزة بيومياته و أمنياته وانكساراته.

وفي سياق تهشيم الأشياء التي تعيش في حياتنا بقوة العادة تخرج قصيدة عبدالوكيل السروري ساخرة عابثة، ومتحديةللمحفوظات، محفوفة باللامبالاة :

 

” إثر خطأ في العلاقات الجنسية

تكاثرت الجرائد

فحدثت الكارثة

صدقيني لم أكن أقصد

ما تعنيه الحداثة الشعرية من مقدمات

فالاكتشافات العظيمة عادة ما تكون كذلك…”

(ص: 8، ما سوف يحدث قريباً)

 

وفي هذه القصيدة ترتفع نبرة الاحتجاج مغلفةً بالتهكم، وتكشف السخرية هنا عن خلاصة رؤية تدين الفعل، وتقدم ما يشبه التعليق على الكاريكاتور، حيث ” إثر خطأ في العلاقات الجنسية تكاثرت الجرائد…”، وإن كنا لا ندري ما تلك الكارثة التي حدثت، وقطع العلاقة المنطقية بين السبب والنتيجة تكتيك إجرائي يعيد ترتيب العلاقة بينهما على أساسٍ منتج لدلالة السخرية المرة، واستخدام الايحاء بمتواليات ايروتيكية.

 

وتطرح مجموعة (مسحوق التعب اليومي) أسئلة جانبية في تفاصيل صغيرة تشف عن عمق الوخز الذي قصدت إليه، وتلك القصدية قد تتورط في الإشارة المباشرة وقد تقع في التقريرية و المقالية، لكنها بالتأكيد تراهن على تحويل مجرى الدلالة إلى الهامش، وإعادة الاعتبار للكلمات المدانة:

 

” الفكرة قد تكون في انتصاب عضو ميت

يرغب في اغتصاب العالم

بما في ذلك أصدقائه

عليك فقط أن تظل يقظاً

وربما غمزتك مؤخرة في زمن ما..

يتسع لكليكما”

(صـ 29: العري لغة مهمة)

 

بمثل هذه النبرة العارية إلى حد المباشرة والشتيمة، تلجأ كثير من القصائد إلى خلخلة اليقين، و كسر هيبة التلقي، وإهدار وصايا الكتابة وتراتبية المعجم وتكاد تقول :إن التواصي بتجريد الذائقة الاعتيادية من شبكة علاقاتها يبدأ من إعلان المسكوت عنه وإشهاره وتحريره من سلطة المضمر:

 

” أحياناً أستحضر العالم

بصيغة أنثى

أنتزع ملابسها الداخلية بشيء من الدلال

ثم أشعل سيجارة في الظلام،

وأبدأ حديثا ًعن الموسيقى والجنس مع

مخلوقٍ سيء”

( صـ :25 العري لغة مهمة)

 

بامتداد قصائد هذه المجموعة ينتظم مزاجٌ ساخط ، يلتقط المشاهدات ويسحلها في خيال دبق، ونافر من ارتدادات الفعل، و تقريرية الإحالة:

” تسريب الرعشة من غرف النوم ممكن

غير أنه من الصعب أن تجد مبرراً

ما لم تتأمل جيداً بشاعة الأسرَّة”

(صـ 13:الصعود بصيغ منتقاة كهذه)

 

وتارةً يعيد صف مشاهداته في سياق طافح بالهتك والمواجهة واستمالة المخيال الإباحي، بغرض تذرير أبهة المألوف وتبديد غيوم المعنى التي ثكثفت سلفاً حول الكلمات، وحاصرت تلقائيتها وقسمتها إلى كلماتٍ بيضاء وأخرى سوداء:

 

” شيءٌ ممتعٌ أن تمارس الحب مع امرأةٍ متخيلة

أظنه لن يكلف الكثير

على الأقل لن تضطر للبحث في معاجم

اللغة عن مفردات

عادةً ما يقولها الشعراء في الحب”

(صـ 26: العري لغة مهمة)

 

ومن خلال سياقات المشاهدة ذهاباً وإياباً بين خارج الذات وداخلها، تنبثق صيغ مشحونة بالتأمل، تومض ثم تختفي أشبه ما تكون بانطلاق الشعاع وانكساره، في ثنايا مشاهد مبعثرة على قارعة العين:

 

” رجل الزاوية نصف منكفئ

يرتب ألوان المشهد التالي

من الأفضل أن تظل الرؤوس في منابتها

حتى لا تزعجه الأفكار

ربما كان مستغرقاً بين غبار الحكمة

ورشاقة الخلق

مع أن الحكمة أسورة عتيقة

تحتفظ بها الجدات

إلا أن فضولاً مقيماً يلجني في الحكاية

حكاية رجل الزاوية”

(صـ 61 ، رجل الزاوية )

 

تأخذ مفردة (الزاوية) بعداً إيحائياً أكثر من الانزواء وأبعد من التأمل، فهي من مفردات المعجم الصوفي والزاوية كما قد تكون بعداً حسياً / مكانياً, قد تأخذ بعداً نفسياً, أو موقفاً رؤيوياً يكشف عن زاوية نظر, ورجل الزاوية بعدسة بصيرته يرصد الزوايا ويلتقط الصور بعد أن يكون قد قام بالانفعال بها والتفاعل معها ومن ثم تصبح مشاهداته رصداً حياً لانفعالاته قبل كونها رصداً حسياً لمرئياته.

 

” كائنات تتدافع في الشوارع

ومنازل شاغرة لا أثر لمخلوقاتها

عدا عناكب منهكة

تتأفف من شرك المكائد

العالم يهجر الأرض إذاً

ورجل الزاوية ما زال يفكر!! ”

(صـ 62 : رجل الزاوية)

 

وكما لا تقف الكلمة المجروحة عند حدود الصدى، لا يقف رجل الزاوية عند حدود بعينها فهو يسترسل في التحقق من مشاهداته إلى حد التشكك وإعادة توجيه التساؤل، إلى جهة التفلسف.

 

“كل الجهات تبدو فارغةً

إلا من دروب يقصدها أناسٌ يمضون

ولا يعودون

هل لسيقانهم المعروفة تذكر ما مضى؟!

بينما الأرداف الرخوة

تحدث زلازل بفعل ارتجاجاتها

وتقتلع شهقات المحرومين من الجذور

ببساطة لم أعد شغوفاً بعذرية الشعراء

لأن أشيائي فقدت جاهزيتها للعمل ”

(صـ 64 : رجل الزاوية)

لا يكف رجل الزاوية عن المساءلة و كشط الأسئلة الوجودية، ولا يكتفي بها، فما يحدث حوله يستطرد في أعماقه ويحفر في وعيه بحثاً عن مبرراتٍ لكينونته في هذا المسرح العبثي الذي يتمدد من حوله وتتعدد مشاهده.

 

“مشاهد مليئة بالمزيد من الفرح والموت

في مسرحية أهم ما فيها صدورٌ تبالغ قليلاً بالاكتناز.

لست أبحث عن مسرح تقوده مؤخرة

شيءٌ من الخوف يكفي

لأستشعر ضعفي

كما لو كنت صوفياً تغفو الطفولة داخلي

إن شكى بكت السماء”

 

وبين المعيش والمنشود تتوالى الإدانة، والمشاهدات تتحول إلى مكابدات، وما يطفو على اللغة يكفي للدلالة على ذلك الذي يمور في الأعماق ويعيد ترتيب المشاهد متخففاً من لغة التعليق على الصورة، مكتفياً بإشاراتٍ تتلامح فيها الحاجة إلى إعادة النظر لتستمر حكاية رجل الزاوية بالتوازي مع حكاية الشاعر الذي يلجئه فضوله للولوج في حكاية رجل الزاوية وروايتها بتصرف بعيداً عن الحكمة تلك الأسورة العتيقة التي تحتفظ بها الجدات، إذ تشكل تلك المشاهدات استفزازات ذات مغزى:

 

“استفزازات غير قانونية تحدث في مدنٍ كثيرة

أستطيع تسميتها جرائم حرب معلنة,

والعالم يبدو مخموراً خلف الجدران

وإلا فعل شيئاً

أقله إعادة النظر في عولمة الجنس”

(صـ 64:رجل الزاوية)

 

وعالم الذات متوحد بعالم الخارج، إلى حد يصعب معه التفريق بين ما رآه عياناً وبين ما خُيّل له بفعل ذلك الذي رأى ، ولكنه لا يستطيع أن يتوقف عن الإدلاء بتعليقاته والاكتفاء بدور المتأمل في زاويته زهداً في عالم الخارج:

 

“ما من شيء يجبرني على الصمت

سوى اللحظة التي أراني فيها أقل أناقة

من محترفي البكاء على شواهد الأسلاف

كمبرر مجازي للرصاصات

الكلاشينكوف

تزم أفواه الصباحات الفاغرة

ولكي يكتمل هذا البهاء

لا بد للدماء أن تسكت صراخ القتلة

وإلا كيف سنتعرف على أشلائنا.”

(صـ 54,55: رجل الزاوية )

 

وتستدير القصيدة لتلتحم بدايتها بنهايتها وتغدو صوتين يتنازعان المشهد، صوت رجل الزاوية وهو يحكي للآخرين، وصوت الذات وهو يحكي عن رجل الزاوية لتصبح لغة السرد حبلاً سرياً بين مقول الذات بدواله المجسدة كتابياً، ومقول السرد كما هو في فضاء التلقي وفي متناول حرية الخيال:

 

”  فالكلمات التي تنمو فوق الأصابع

ستروي للقادمين حكاية رجل الزاوية”

(صـ : 55 ،رجل الزاوية)

 

وفي مرمى الحكاية يصير رجل الزاوية مساوياً للذات في المعاناة، ونسخةً أخرى من حيرتها، وتعثرها بالأسئلة الشائكة، فيرتد عليه السؤال:

 

” ثم كيف لك أن تواصل السرد

ما دمت لا تعرف بماذا يفكر رجل الزاوية

فالرجل لا بد أنه يفكر.”

 

هذه الحتمية في التفكير هي النفي الصامت لحقيقة المعرفة، والرغبة في إدراك ما وراء الشرود، لتصبح الزاوية هنا أكثر من كونها متكأً للحكاية أو السرد، ويصبح الرجل المروي عنه راوياً، وتصبح الحكاية صدىً لحكايةٍ مواربة في أعماق المراقب حيث نجد صورة الانزواء في الذات تقول: “كما لو كنت صوفياً تغفو الطفولة داخلي”، وهي صورة ترصد العالم أكثر من كونها صورةً لانزواء الذات وابتعادها عن ما حولها, وتلك المشاهدات التي يقصها رجل الزاوية تشخص وعيه المجرد بها, وتومئ إلى موقفه دون أن يكون لتلك الإيماءة هدفٌ واضحٌ سوى جر الملاحظة إلى ما يحدث من عبث:

 

” سأحاول تشخيص أشياء تحت جرحك

الصغير

الذي يشبه وقار الأنبياء,

وكرم رجل الزاوية ” .

 

و في المجموعة تتوالى المقولات وتلعب المفارقة دوراً في بناء عدد من المقولات الموشاة بالحكمة في صيغ ممهورة بالتأمل:

 

“الخرائب تملؤنا.  لا تجهد العصافير بالغناء، ولا الممالك بالعزاء.  هناك فضاء آخر، يركض فيه الجنون، يوازي عربدة العدم داخل الأشياء..”

” كلما احتطبتني الطلقات/ أعشبت في جنباتي الحياة”.

“شيءٌ من الخوف يكفي لأستشعر ضعفي”.

“الحكمة أسورة عتيقة تحتفظ بها الجدات”.

“العالم يبدو مخموراً خلف الجدران وإلا فعل شيئاً”

“لابد للدماء أن تسكت صراخ القتلة وإلا كيف سنتعرف على أشلائنا”

 

وتتدخل صيغ التساؤل في وصفه كما في تهكمه من العالم، وتهدر مصفوفة البلاغة التقليدية وتصادر سلطة المحفوظات؛ لتتبنى بلاغة الهتك والتهكم وتشيّد إحساسا جديدا بالدلالة:

 

“كم هو غبي هذا الهواء لا ينجز إلا الأشياء الرخيصة

كان عليه أن يظل سائماً في بيته

بدلاً عن التحرش بخلفيات المسافرين في المطارات”

(صـ 66 : بانتظار التلويحة )

ومن الملاحظ أن ضمير المتكلم في المجموعة كلها لا يغيّر موقعه، فهو في مركز الراصد، يستجمع قوى المخيلة ويبادر إلى تبديد التشابه والتناسخ، مسترسلاً في تمزيق الاستجابة الراهنة:

 

“ما أجملنا نحن أيضاً

حين نرتدي وجوهنا

فالأقنعة تحيلنا إلى دُمى أنيقة

لكن أمام المرآة فقط”

(صـ 73 : أقنعة )

وخلف نبرة الحكمة التي تأتي طارئة وعارضة قد تعلو نبرة التساؤل معبرةً عن الاستنكار، أو الإخبار ببشاعة المألوف، وسوء استخدام اليقين:

“من أين لنا أن نصلي بقلوب ليست لنا

هل سيصدقنا الله أننا نصلي للمحبة

أم أن الخطيئة تجبرنا على ذلك؟!”

(صـ 74 :أقنعة )

وبإرادة تفكيك آلية الحياة،  ونفض غبار الموثوقية عما يمارس من طقوس وشعائر تدير حياتنا بما يشبه البرمجة يكتب متوغلاً في نزع الأقنعة:

 

” الصلاة ممحاة الخطايا

وإلا كيف نزدرد الأشباه

لمجرد أنها مخلوقات مزركشة!!

وحين يصير العالم خرم إبرة

نقول: الله جميل ورائع

فقد ترك لنا حرية الصلاة,

والموت معاً…”

(صـ 75 : أقنعة)

 

وفي المجموعة أكثر من قصيدة يرد فيها أكثر من مقطع يتحدث عن الذات وهي تبحث عن معنى لوجودها، أو تتمنى صيغة أخرى للحياة، أو تتحدث عن رغبات محاصرة:

 

“هذه النافذة أبداً لا تحس بتعبي

وإلا خلعت أحلاماً سعيدة

على المساء المقابل

كأن تحكي, مثلاً, لجارتنا العانس

حالة الغريب وحيداً

وأشياء أخرى تحدث عادةً في العتمة”

(صـ 38 : أشياء تحدث عادةً في العتمة)

لكن تلك الذات التي تأخذ محور السرد وزمام الكلام عن الأشياء وتصور الدلالات معلقة بالعلاقات غير المعتادة ، لا تعود ذاتاً تمارس الوصاية أو التبشير، فهي بين سطرٍ وآخر تقع في شَرَك المرآة وترى نفسها خارج حسابات الجدوى:

 

“عما قريب

سأندس في كيس صمت أبدي

ثم أصير في السؤال علامة استفهام”

(صـ 40 : أشياء تحدث عادةً في العتمة)

 

وبإعادة قراءة القصيدة (عتبات تخص أسمائي) يكون عنوان المجموعة قد أراد قولاً مضمراً ربما كان من معانيه التطهر، أو من ظلاله، فالمقطع الذي أخذت مجموعة هذه القصائد اسمها منه: (مسحوق التعب اليومي)،يلمح إلى أن هذه الكلمات ليست إلا مسحوق التعب وهنا تتوازى الدلالة بين أن يكون نثار ما سحقته الأيام ، أو أن يكون مسحوق تنظيف التعب:

 

” بالقليل من مسحوق التعب اليومي الذي بالعادة يلحسه أولئك المتسلقون

جداريات مرممة بغيرهم

يمكنك إزالة الأسماء المتداولة بالسوق”

(صـ 3: عتبات تخص أسمائي)

 

وفي قراءة ثانية يمكن القول إن  مجموعة مسحوق التعب اليومي حاولت أن تقدم كتابة منفلتة من أسر التراكيب التي طُرقت كثيرا، وبين الهروب من الصيغ المنتقاة والصيغ الجاهزة و الذاكرة الإيقاعية، وقعت القصيدة في غنائية محفوفة بالتشظي، غنائية تمثلت في رؤية الموضوع من زاوية الذات أظهرت عدداً من السمات الأسلوبية التي تمثلت في البحث عن روح المفارقة في الأشياء من خلال إسناد المتنافرات إلى بعضها، أو إغراء الأضداد لبعضها بعضا، غير آبهةٍ بما افترضه السياق العام.

 

” اللعبة لا بد أنها شيقة

بوسعنا تكرارها دون تعثر الشفاه

وحين تتلامس الشهقات

قد نخترع لُعباً أكثر إثارة

وأشياء أخرى سوف نحبها

وما إن تحسي بالتعب

يمكننا أن نسمي كل شيء خدعة.”

 

والكتابة- كما تطالعنا في مجموعة “مسحوق التعب اليومي” – خدعة، وهي خدعة تفضي إلى أكثر من خدعة كلما احتاج وقت اللعب لذلك حتى لا يتسلل السأم إلى تفاصيلها، ولا تسمح بإعادة ترتيب القول، أو بقص الأثر في  تتبع معناها، شيءٌ من ذلك يمكن قوله دون تلكؤ في مطالعة هذه المجموعة ورصد خصائص أسلوبها.

 

وبنظرة سريعة على عناوين النصوص من خلال محتويات المجموعة( صـ 97) يتراءى لنا اهتمام بالغٌ بصك العناوين ورسمها وفق مقاسات لافتة توظف المفارقة حيناً والسخرية حيناً آخر، وتستدعي مقولات محشوة بالايدلوجيا لتنزع عنها رطانة الشعار، وتغمرها في التهكم ليغدو ظلال الفكرة في بعدها الأيديولوجي حاضراً في  بنية التناص أو مرجعية التأويل.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*