مشاعر تجارية!

 

*محمد فائد البكري

 

(17)
نسيتُ لماذا أحبك!

رمضان شهر البر والاحسان ينشط فيه المحسنون وكأنَّ إله رمضان غير إله بقية الشهور أو كأنَّ الجوعى والمحتاجين في رمضان فقط!
يجيء شهر رمضان ويتبارى التجار في فتح باب المساعدات والمعونات والصدقات للفقراء والبؤساء، وتنتشر في الجو روائح الإيمان، ويغدو شهر رمضان مناسبةً لاحتشاد الفقراء والمتسولين عن عادةٍ أو عن اضطرار! وينشأ من هذه الممارسات أن تذل النفوس وتعتاد الوقوف بالأبواب والتواكل على ما يجود به المتفضلون.

و هذه السلوكيات التي قد تُعد في المنظور الديني تكافلا ورحمة، قد تكون تجذيرا للتواكل واستسهال الشحاذة، كما قد تكون تشهيراً وامتهاناً واستغلالا لحاجة الضعيف.

طوابير من طالبي المعونات يحتشدون مغلوبين على أمرهم، ألجأتهم الحاجة والفاقة وهم أبرز علامات غياب الدولة،وانعدام الشعور بالمسؤولية، وتفشي الفساد والظلم.

مشاهدُ مؤلمة، مقهورون يتزاحمون ومشاحناتٌ وتدافع وعراك على أبواب الأغنياء. تكريسٌ لمشاعر الشفقة وسلوكيات التهافت والتكالب والضعة واستمراء المهانة.

ياللأغنياء الذين يستعيدون قلوبهم في شهر رمضان فقط، وتتحرك مشاعرهمكالذكرى السنوية! وتجتاحهم حُمّّى الرحمة الموسمية، مع أن فقراء رمضان هم فقراء كل شهور السنة، ولو شاء التاجر الطامع في الأجر أن يكون له أجرٌ دائمٌ لعمل على ما يجعل من إحسانه طوال السنة، بأن يُسهم في تحرير المحتاج من قيود الحاجة.

يا للمُحْسن الذي يتربص بحاجة الإنسان، ويدفعه لإراقة ماء وجهه، وقوفاً بالأبواب! و يا للمُحْسن الذي يتجاهل أن أجره مشروطٌ بحفظ كرامة أخيه المحتاج، لا بقدر حاجة المُحْسَن إليه!

حشودٌ من الفقراء أمام قصور أهل المال، حتى غدا الأمر ظاهرةً غير مستغربة أو مستنكرة، وصارت ألفة هذه الظاهرة وجهاً آخر من وجوه تحلل المجتمع وتفسخ القِيم!

تجمعاتٌ للفقراء حول قصور الأغنياء أشبه بالمظاهرات، وعلى مدى شهر رمضان، وعاماً وراء عام، وكأنَّ ذلك الأمر يرضي غرور بعض التجار ويملؤهم إحساساً بالعظمة والزهو!
أو ربما يعمدون إلى توزيع مساعداتهم الغذائية او المالية على هذا النحو كنوعٍ من الدعاية والإعلان في المجتمع. وهم بحنكة التاجر يكسبون سمعةً ويبنون رأس مالٍ رمزي مقابل ما يخرجون من مال. بل إن بعضهم يوظف ذلك في مكاسب سياسية، ويدخل مجلس النواب من باب البر والإحسان!

تصرفاتٌ سادية تتاجر بحاجة البسطاء، وربما نكتشف بعد حين أنَّ أولئك التجار يُصوّرون الفقراء وهم يزدحمون على أبوابهم، لينتجوا أفلاما وثائقية يستدلون بها أمام الله على فعل الخير، ويحجزون نصيبهم من الجنة!

إكراهاتٌ تنتقص من كرامة الإنسان و تهيئه للاستخذاء بالتدريج، و تجعل حاجة كثيرٍ من الناس للطعام مقدمةً على اعتزازه بنفسه و حاجته للشعور بالكرامة والاحترام.

للقطاع الخاص ممثلاً بالتجار ورجال الأعمال دورٌ مجتمعي ينبغي أن يُفعّل ويشاع كثقافة مدنية، ويُفترض أن يكون لهولاء الذين يُسمَون أنفسهم بالمحسنين دورٌ في تنمية المجتمع وتأهيل الفقراء والمحتاجبن وإعدادهم للعمل والخروج من قبضة الحاجة عبر إنشاء مؤسسات ومعاهد تدريب وتأهيل.
وفتح مشاريع تحترم إنسانية الفقير، وتحفظ له كرامته وتكفيه ذل الحاجة وقسوة الفقر ، وتساعده على تجاوز ظرفه، وكسر طوق الفاقة، ليتحوَل لإنسان مُنتِج يشعرُ لمجتمعه بالامتنان، و يمد يد العون لغيره، ويشارك في تغيير الواقع بما يمتلكه من المعرفة والخبرة وما تعززَّ في نفسه من احترام الذات وتقدير قيمة التعاون وحب الخير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*