الأيقونة السومانية شاعر/ دكتور سعيد الشيباني : (أنتم الناس أيها الشعراء)

ـ كتب : د/ نزار غانم *

تعود الآصرة الوجدانية الحميمة لي بالشاعر الكبير/الكثير سعيد الشيباني إلى منتصف الستينات في مدينة عدن حيث كان يتردد على والدي في منزلنا بخور مكسر و كنت أجد لهجته مرحة لأن فيها لكنة أهلنا في بني شيبة بمنطقة تعز . أذكر أنه عام 1965م تعرض لحادث حركة جسيم في نقيل ” سُمارة ” شمال اب وأجريت له جراحة معقدة بعد الحادث و كانت والدتي تمرح في حديثها وتقول بالمحكية العدنية ( سعيد الشيباني اتبزق من الحادث و لصقوه من جديد كما في لعبة الميكانو).
أقصد أن سعيدا كان (ابن البيت) و لم تكن أمي تتحجب منه , و كان والدي يشير لي بأن الناقد العراقي هلال ناجي أفرد لسعيد الشيباني فصلا بعنوان ( البراعم الواعدة ) في كتابه ( شعراء اليمن المعاصرون ) .
و أذكر أن سعيدا كان يناقش معنا ايجابيات الزواج و سلبياته من أوروبية فرنسية أو أسبانية فقد خاض هو شخصيا هذه التجربة .
ثم أن سعيدا من أوائل الحاصلين على (دكتوراه الدولة) ديتوري ديتات في الاقتصاد من فرنسا و بحثه التطبيقي المرافق أطروحة يعد مرجعا في الشأن الاقتصادي اليمني إلى جوار بحث د محمد سعيد العطار و بحث محمد أنعم غالب و هي بحوث أسست فيما بعد للمشروع التنموي الأهم ( البنك اليمني للإنشاء و التعمير ) حينما وجدت الإرادة السياسية لمثل ذاك الطموح المؤسسي
و لكن سعيد الشيباني قصد باريس من القاهرة حيث كان قد سجل اسمه كشاعر قومي كبير سيما في تخليق النص الغنائي اليمني الذي أعطى الأولوية فيه لروح الثورة على الإمامة و الاستعمار و هو ما استوقف الحبيب عبدالله البردوني في كتابه الفذ ( فنون الأدب الشعبي في اليمن ) فأعطاه المرتبة الثانية بعد الفقيد مطهر الإرياني في كتابة النص الغنائي اليمني و استلهام التراث كل بما يتفق مع ميوله الجغرافية و مع انبثاق مواهبه . و من القاهرة العاصمة الأبدية للثقافة العربية امتدت صداقات سعيد الشيباني بأهل الأدب في السودان فهو يعرفهم عن قرب و هم يعرفونه عن حب !!!
و هناك نزعة لدى ابن الشيباني للتعبير بالمحكية اليمنية المتعددة مقارنة بخالي الشاعر العظيم علي محمد لقمان الذي تجد عنده المفردة العدنية المعتقة كما في مجموعته ( يا هو الوراد ) , و أنا هنا أتحدث عن شعراء بالعامية و ليست بالضرورة نصوصا كتبت للغناء كما هو عند آخرين مثل لطفي أمان في مجموعته العامية الغنائية ( ليالي ) أو علي أمان في مجموعته الغنائية ( أنغام) أو عبدالله غالب عنتر طابع العرض حالات في حافة القاضي في مجموعته ( الفن البليد ) الصادرة عن مطابع الدجوي بالقاهرة و هي مجموعة مهمة من الناحية السياسية و السوسيولوجية و لم يتطرق لها أحد سوى كاتب هذه السطور في كتابه ( حمينيات صدى صيرة ) , بيروت , 1993م

(3)
الأيقونة السومانية شاعر/ دكتور سعيد الشيباني : (أنتم الناس أيها الشعراء)
لقد تقمص سعيد الشيباني دور ( طهطاوي اليمن ) فقد قبل التحدي بشجاعة و أسهم في الفكر و الممارسة الاقتصادية و المصرفية في اليمن أيما اسهام موظفا معارفه الباريسية في نهضة الوطن .
و في مطلع العقد التاسع من القرن المنصرم هبط سعيد السودان و اتخذ له جناحا في فندق (آراك) الواقع شمال الجامع الكبير بالسوق العربي/الشعبي بالخرطوم و اتصل بي عبر شخص أحبه كثيرا هو المهاجر اليمني بالسودان أحمد بو ضهير بو هاشم .و حينما زرته هناك سألته إن كان يزمع زيارات اجتماعية لشعراء سودانيين عرفهم في القاهرة كتاج السر الحسن و قد أشار سعيد إليّ بأن أولويته هي السفر إلى شرق السودان للاقتران باحدى فتيات الجالية اليمنية هناك و التي تنحدر من أصل يمني أصيل في منطقة (عرام) التي تعود جذور آلاف المهاجرين اليمنيين بالسودان إليها .
و حينما عدت لصنعاء عام 1985م اتصلت بالرجل فخصنا بزيارة لسكننا الجامعي بصنعاء واذكر أن والدي كان ممتعضا من قرار مصرفي حينها حول التصرف بالعملة الصعبة مما يضيف إلى تعقيدات الحياة لمثله ممن يسافر طلبا للعلاج الطبي بالخارج , و أسقط في يد سعيد الشيباني فقد كان القرار فوق الجميع و لعله حزن لأنه لم يستطع أن يسدي لوالدي تلك الخدمة .
ذكر لي سعيد أنه على كثرة نصوصه الغنائية يتمنى لو توفر أهل صنعة الموسيقى في اليمن على تجريد الموسيقى من النص اللغوي و خلق المقطوعات الخالصة المتحررة من الميلودية اللحنية و قلت في نفسي أن هذا الرجل قد تأثر بعلم جمال الموسيقى الأوروبية التي نجحت في الطلاق من الكلمة الملفوظة و نجحت في الانطلاق نحو فعل موسيقي بحت جناحاه الهارموني و الكونتربوينت . و أين نحن من ذلك !
و في صنعاء كنت قد تعرفت بالخبير السوداني الشاعر جعفر حامد البشير زميل الشيباني في العمل البنكي بصنعاء فصرت التقيهما معا عرضا .
و قد دفعت لي السيدة ( سيدة العرامي ) زوجة د. سعيد التي كانت هي الأخرى ضمن الكادر الوظيفي للبنك اليمني للإنشاء و التعمير بقصيدة عذبة كالطفولة و ماتعة كالأحلام يتغزل فيها الشيباني بها بمناسبة اقترانهما عام 1981م في كسلا في شرق السودان و هذه القصيدة ليست ( السومانية ) الوحيدة عند الرجل و ليس الشيباني من شعراء الواحدة على رأي محمد بن سلام الجمحي فقد عاد و كتب معلقة شعرية عن فيضانات النيل بالخرطوم عام 1988م كما تبنى مشروع التبرعات النقدية بنفس البنك للسودان المنكوب فكان والدي أول المتبرعين قاطبة و حرر شيكا بذلك وقفت على صورة له كما كتب غانم أبياتا في تلك المحنة جاء فيها :-
كم ذهلنا خرطوم للنبأ المشئوم لما أطار منا الصوابا
ما دها النيل يستبد بخرطومه و بالمقرن النبيل رحابا
لو نواسيك بالمئين و بآلاف لم نقض حقك المستجابا
—–
—–
.و حدثني الشاعر السفير السوداني بصنعاء سيد أحمد الحرلو أن الشيباني كتب تلك المعلقة في عشرات الأوراق حتى تمكنا معا من تغطية أرضية المقيل الصنعاني الذي كانا فيه بهذه الأوراق و لا أدري ما الحكمة في ذلك فهل أعذب الشعر أطوله ؟ وإليك أيها القارئ الحكم ورقة من تلك الأوراق لقصيدة ( يموتون ظمأ في فرات ) صنعاء 1988م و قد صادف أن شهدت صنعاء استغاثات من الجفاف بصلوات الاستسقاء في نفس الفترة فعقد الشاعر البارع المقارنة :-
فيما هنا صنعاء تستقي نهار الغيث تطلب بالصلاة
من رب كل الناس ما يهب الحياة
شربا و تطهيرا و ري
لكل حي
في الكون إنسان و شي
كانت هناك مدائن السودان تضرع بالصلاة
لله – كي عنها و من فيها و ما فيها حياة –
الغيث يرفع قبل أن يغدو الفناء
حتما هو القانون و الحكم القضاة
يا سخرة الأقدار بالمتناقضات

 

و نخصص الجزء الثالث و الأخير من هذا البوست لقصيدة الشيباني في زوجته ( كسلا عش العصافير الزغب ) 1981م

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(3/3)

سعيد الشيباني و (سيدة) و جمالها فريد !

سعيد الشيباني مادة سومانية دسمة للبحث و المحاججة أكثر مما تتصور الأقلام النيئة لكونه شاهد على العصر و هو بالتأكيد ملء نفسه و ملء الزمن .
تكتنز مدينة كسلا بشرق السودان جالية يمانية عظيمة تزاوجت بالسكان المحليين و هم أنفسهم هجين من أعراق و على مستوى الولاء السياسي نجد يمنيي كسلا أقرب إلى حزب الأشقاء ثم حزب الوطني الاتحادي نظرا للميل الطائفي عند أكثرهم إلى صوفية المراغنة الختمية , كيف لا و كسلا هي مرقد ( سيدي الحسن أب جلابية ) كما هي (عش العصافير الزغب ) عند الشيباني .
و كثير من حسان التوالد اليمني بالسودانيين قد كانت كسلا وعائه و بيضته كما تقول العرب . و هذا على الأقل رأي صديقي الشاعر السوداني الكبير د. حسن عباس صبحي الذي كان استقراره الزواجي اقترانه من المرحومة هند اليمانية ابنة كسلا .
و تميل الأسر السومانية في كسلا إلى تسمية الأنثى الرعبوبة ب ( سيدة ) . فالفنان الحاج محمد أحمد سرور نشر هذا التوجه من خلال فترات مكوثه في كسلا التي انتقل منها إلى الجارة ارتريا حيث كانت وفاته و دفنه في أسمرا و أشرف على تكفينه صديقه المطرب السوداني التجاني السيوفي الذي استقر في عدن منذ نهاية الخمسينات حتى وفاته عام 1976م .وكان شاعر حقيبة الفن البارز سيد عبد العزيز وصافا ماهرا استمال إليه جمهرة العدنيين بالسودان من خلال قصيدته :-
أقيس محاسنك بمن
يا الدرة الما ليك ثمن
دي الدنيا أم ( جنة عدن )
و هذا التلازم بين (عدن) و (الجنة) نعود و نجده عند شاعر حقيبة الفن الرقيق ود الرضي في ( العيلفون جنة عدن ) …. (السلام يا روح البدن)
و هكذا ارتبط – شرطيا – الجمال بتسمية الجمال ( سيدة ) حيث يقول (سيد) عبد العزيز الباحث هو الآخر عن ( سيدة ) له !!! من عناء محمد أحمد سرور :-
(سيدة ) وجمالها فريد
خلقوها زي (ماتريد)
هل دا احتفال أم عيد
أم (جنه) غير وعيد
دنا فيها كل بعيد
للسيوح أهله (سعيد)
حتى هنا و الأمور تسير من حسن إلى أحسن و بالتعبير الانجليزي
Moving from strength to strength
لكن غير الجيد , من منظور الإبداع السوماني , هو أن الشيباني الذي تسنم بجدارة مكانة سامقة في شعر الطرب اليمني عاطفيا و وطنيا قلما كتب ما يستوجب التوقف فنيا عنده منذ تاريخ 1981م الذي لا مندوحة من القول أنه كان ميلادا حقيقيا له كإنسان (سعيد) نعم باستقرار أسري قدره الله له فكان له (خاتمة المطاف) على رأي علي الجارم …. و مع ذلك تنتصب أسئلة مشروعة تلتمس للسعيد العذر مثل :-
-هل ظل فرسان خليفة و المرشدي و أحمد قاسم و رهطهم على نفس الصفحة من أشعار الشيباني منذ الخمسينات و هل ظلت اليمن هي اليمن ليتغنى فيها الشيباني ؟
– ألم يقف الشاعر العظيم ودزورث أمام جمال شلالات نياجرا عاجزا عن قوله سوى
Oh it is beautiful !
سعيد الشيباني سلاما
الله غالب !

(((( كسلا ….. عش العصافير الزغب ))))
شعر : الدكتور سعيد الشيباني
1981م
خفق القلب في اخضلال اللسان لمن أسلمت للبراق عناني
من قرى في ( عرام ) من كل نبض تاه عن قلب بلدتي و عياني
كسلا النبع و الحدائق نشوى و السواقي تؤتي القطوف دواني
فتحت بابها لتصبح دارا للعصافير هاجرت من يماني
ايه سودان و السواد بياض مستثير قاصيك يحضن داني
عروة الحب خرطوم مهجتي و ثقي كسلا فيك قبلتي و أذاني
يا ( رباعية الحروف ) تجلت كسلا الاسم فاق كل بيان
ايه سودان دفء شمس ضياء في حروف (المجذوب) و (التيجاني)
و الندامى الرفاق أين (بشير),( تاج سر), (جيلي) و (لطفي امان)
أيها (القاش) فيض فيضك عذب خمر ماء الحياة حيا رواني
كسلا اللحن و البلابل تشدو وسط قلبي صبا نشيد الأماني
عشت يا مرتع الصبا لحبيبي كسلا خير أمة و مكان

+ محمد المهدي المجذوب و التجاني يوسف بشير شعراء سودانيون قرأ لهم
+ جعفر حامد البشير و تاج السر الحسن و جيلي عبد الرحمن شعراء سودانيون التقاهم كفاحا في صنعاء و القاهرة
+ لطفي أمان شاعر يمني درس في السودان و كتب فيه شعرا و نثرا نضيدين
——————
* نزار غانم , نزيل أمدر أمان الخائف , الفاتح من نيسان 2019م

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*