قصائد الكبرياء

 

ـ

(24)
حين يكتئب الشعر
كتب : زيد الطهراوي

 

حين رأى عمر أبو ريشة النسر و هو يسقط نظر إلى نفسه و الألم يعتصرها و كأنه يقول : (نعم ؛ ذلك النسر هو أنا ) كان يتذكر أمجاد المسلمين و ينظر إلى واقعهم الأليم ، و لم تطل تأملات الشاعر في ذلك النسر فقد استجمع قواه و تحمل آلام جراحه وطار ، ليهبط على القمة التي وقع منها ، لقد هبط ميتا و قد أعجب الشاعر بهذا الهبوط الذي تزينه المعاني السامية فالحياة الذليلة لا تساوي شيئا ، و إن كان صاحبها في نعيم ، و الحياة الكريمة هي السعادة الحقيقية و إن كان صاحبها في شقاء بل لو خسر من أجلها حياته كلها ، أعجب الشاعر بهذا الهبوط و لكنه لم يقل: (نعم ؛ ذلك النسر هو أنا ) لأنه لا يعرف حقيقة إصرار المسلمين عربا أو عجما على أن يعودوا إلى قمة أمجادهم فقال و الألم ما زال يعتصره: (أيها النسر هل أعود كما عدت

أم السفح قد أمات شعوري) في إشارة حازمة من الشاعر إلى أن الرفعة لا تنال بالتمني

و يستمر نداء الكبرياء عاليا في شعر (أبو ريشة) و ينشد الشاعر قصيدته الفريدة ( أمتي) ، و يأتي السؤال في بدايتها عنيفا مؤلما كوقع السيف و لكنه رؤوف متزن

” أمتي هل لك بين الأمم

منبر للسيف أو للقلم ”

الشاعر يشرح هذه الأمة بمشرط الطبيب ليخرج مادة الفساد منها أو ليخرج مادة الكسل و الاستسلام منها

و قد عالج الشاعر مرض الانبهار بشخصية ما و رفعها إلى المكان الذي لا تستحقه ليعلو تصفيق المستمعين للشاعر ، و تستمر مطالبتهم بإعادة هذه الأبيات في الوقت الذي تكاد رؤوس البعض تنفجر من الغيظ و كأنهم أحسوا أن الشاعر يقصد شخصية بعينها

أمتي كم صنم مجدته ”

لم يكن يحمل طهر الصنم ”

فهل كانت هذه القصيدة سببا في إبعاد الشاعر عمر أبو ريشة عن وطنه و تعيينه بالسلك الدبلوماسي برتبة وزير مفوض ؟

و كأن القوم لا يريدون الاعتراف بخطئهم بل يريدون الاستمرار في تقاعسهم و انخذالهم و سلبيتهم !

لقد ذاق الشاعر صنوف العذاب من المستعمر الفرنسي و من أبناء أمته لتبقى  قصائد الكبرياء  في ديوانه إدانة لحالة السقوط و أملا في الوصول إلى القمم .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*