علمتني المعاناة نبذ الانتماءات الضيقة

 

ـ كتب : محفوظ الشامي

أنا رجل لا وطن لي، بمعنى أدق، الحدود والثقافات المختلفة لا تمثلني، إنني أنتمي إلى كل شيء في هذا العالم.

(8)
علمتني المعاناة نبذ الانتماءات الضيقة
والتخلص من الـ homesick.
لا أسخر بحق المدن الأميركية وأصفها بالمعلبات ولا تهمني القومية المعتقة والتي تثير الشؤم في وقت أصبح العالم فيه ثقبًا واحدًا، أكفر بنظرية المؤامرة والكثير من الخرافات وأؤمن بالعلم والعقل وأحترم الحقيقة أيًا كانت.

يا إلهي، كم تخفيني فكرة البقاء هنا، ليس ثمة من أفق للحياة ولا بشائر للنجاة، كل يوم تفقد الإنسانية معانيها وتموت الضمائر. هذا وطن للوحوش والسرق واللقطاء فحسب.

العالم يضيق في وجوهنا، وشيئًا فشيئًا سينبذنا الجميع، لقد اصبحنا زبالة الوجود كافة.

قبل عام من الآن، أعددت كل ما يلزم للهجرة والهروب نحو أوروبا، وكانت الخطة أن أمر من أكثر الطرق فتكًا بالأرواح البشرية، البحر المتوسط عبر الساحل الليبي، وكنت راض بأي نتيجة، بأي مأساة، الأهم أن لا أموت هنا دون قيمة. وبعد أن تعرض بعض الأصدقاء للغرق أثناء الهجرة، توقفت عن التفكير بها، مرغم على ذلك.

انطفأ الأمل داخلي كليًا، ليحل البؤس وتأكل الأيام ربيع عمري عنوة. قليلًا من الشفقة يا الله، لقد منحتني رقة مفرطة وبهذه الميزة أتعامل مع كل شيء، وهم لا يرحمون، هذا الوطن قاس ولا يليق بمن يمتلك خصال روحية رفيعة، انقذنا من الأوغاد، أو استبدل الجمال الذي زرعته بقلوبنا بقبح ووحشية؛ علنا نتكيف للعيش هنا وننسى حلم أوروبا. قبل فترة قصيرة قرأت جملة كتبها صديق بلغ به الألم منتهاه..يخاطب الله: “لو أنك خلقتنا كلابًا في عواصم أوروبا لكنا أكثر نفعًا لك وللعالم بشكل أو بآخر”. يا لهذا الوجع الكبير!

أشعر الآن بالخيبة، حيال كل شيء. لقد أفقدني الحظ التسكع بمدينة لوكسمبورغ ورؤية دهشة المتاحف المذهلة. لن أشرب كأس نبيذ فاخر برفقة شقراء في فالنسيا الإسبانية. ولن أحظى بزيارة قاعة الحفلات الموسيقية في حي هافنسيتي بهامبورغ الألمانية. هذا ليس عدلًا. اللعنة.

كم كنت مفعمًا بالآمال، كنت حتمًا سأصلي بالمساجد الأوربية التاريخية وسأحب الله هناك أكثر من هنا بسبعين درجة، كنت سأعرج على المعابد والكنائس لأقبل رؤوس الراهبات وأطلب بركات يسوع. وفي بولونيا الإيطالية لن أفوت رؤية لوحة رافائيل(القديسة سيسيل) التي تصف علماء الفلسفة أثناء شرحهم محاضرة فلسفية ومن بينهم العالم العربي الأندلسي ابن رشد. لن أتقاعس عن الحضور إلى أروقة اللوحات والمراقص ومعارض الكتاب، وهناك المزيد من الشغف والجنون.

والآن ها أنذا كادح عظيم يقيم بجحيم، يرسل توسلاته إلى السماء؛ علها تشفق عليه بالخروج من اليمن التعيس أو الحصول على فرصة عمل محترمة، كأقل تقدير. ورغم استيائي الشديد من واقعي، إلا أنني سأحاول عيش ما تبقى من حياتي بنقاء وشرف.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*