الشاعر عبد الوكيل السروري : مضى من عمري جُلّ عمري .

 

 

 

ـ حاوره: ضياف البرّاق

ـ خاص : منتدى الحداثة والتنوير الثقافي .

مضى منه جُلّ عمره وما تبقّى له ليس بالضرورة هو، فمنذُ ولادته وحتى اللحظة لم يعش سوى الوجع والضياع ، وبالرغم من هذا كله ، تجده ما زال يقرأ باهتمام ، يعبُرُ الحياة كفيلسوف، ويكتب الشعر على دويّ الحرب وبين الجرح والآخر. وكعادته يقاوم كل المتناقضات ، لا ينكسر البتّة ، ويحاول أن يكون كيفما يشاء في بلدٍ بائس لا تتحقق فيه الأحلام الجميلة أو الكبيرة، وهكذا تجري الحال دومًا. هو “مسحوق التَّعَب اليومي” كما يُسمّي نفسه، وهو أيضًا حالة إبداعية مُغَايرة ومتمردة، وعلى كل حال يعدّه البعض على أنّه من أبرز من يكتب القصيدة الجديدة في اليمن ، ففي نصوصه تأتي الدهشة شاهقة كاملة والفلسفة هي كل شيء.

إنه الكائن الجميل، الشاعر والأديب : أ/ عبدالوكيل السروري : مواليد 1963 – المعافر- محافظة “تعز” .

 

إصداراته الشعرية:

– الكلام تحرّك في الماء

– مسحوق التعب اليومي

* وله نصوص شعرية جديدة لم تنشر بعد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ــ في عالم الشعر، لكل جرح عظيم بداية غريبة ، أو ما يشبه ذلك.. ترى كيف كانت بداية الشاعر البديع “عبد الوكيل” ومتى؟

مجمل الجراح كانت البدايات، لا أتذكرها جيدًا غير أنّ سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته إنكسرتْ داخلي فبدأتُ أتعاطى هذا اللعين الذي يسمونه «الشعر».. حينها بدأتُ أكتب كتابات متأثرًا بقراءات من المشهد كنت خلالها مزيجًا بين الشعر والقصة.

هذا عن البدايات .

 

ــ الأغلبية تكتب لكي تعيش أفضل، فماذا عنك؟

أنا أكتب لأنني هكذا وجدت نفسي، أكتب فحسب.

لم أكن أكتب بغرض الإسترزاق، غير أنني أكتب لأنَّ في الكتابة حياةٌ كاملة عندي.

 

ــ لكل شاعر نظرته الخاصة تجاه المرأة، ألا يحق لي أن أعرف نظرتك؟

من حقك أن تعرف وستعرف أنّ المرأة بالنسبة لي قيمة جمالية مطلقة، وكائنٌ فاعل في الحياة المجتمعية بمناحيها المتعددة . المرأة بالنسبة لي إضافةً إلى أنها مصدر الخلق للكائن الذكوري فهي كل الجنون عالقٌ في تضاعيف الحياة .

 

ــ أين يقع الوطن من حياة الشاعر؟

الذين يتحدثون عن هذه المسائل العمومية فهم بالنسبة لي ثرثارون . أنا لا وطن لي أتحدث عنه، كل ما أرى فيه أنه مقبرة جماعية كبيرة. فالوطن بالنسبة لي بالإضافة إلى أنه رغيف العيش، فهو الكرامة والدفء والحنان، غير هذا بإمكانك رميه داخل سلة النفايات وتغلقه عليه، فلا شيء هنا يذكرني بأنَّه كان لي وطنًا عدا ذاك الذي يصفعني كل صباح على وجهي ، ويجرني من ياقة قميصي حتى أخر النهار .

 

ــ متى تبكي؟

وهل تبقّى لي عينان كيما تذرف الدمع! أذكرُ أنه كان لي قلبٌ أحسُّ بتكتكاته حين يتألم.

كل الأشياء حولنا تصرخ في الوجوه، ما عادَ شيءٌ هناك يقودنا للفرح بحيث يمكننا أن نفرق بين البكاء والضحك؛ فالأشياء تقودك إلى الضحك الهِستيري وتبكي فقط حين تتذكر سنوات الخراب التي عبرتك، لكن هذا البكاء لا يستدعي النشيج أبدًا، فقط الصمت هو بيت حزنك الأبدي.

 

 

ــ إنه بلا ظل، أليس كذلك؟

حين نتحدث عن الظل ينبغي أن يكون هناك نموذج يخلق ظلّه، غير أنّ في هذا الزمن الأشياء لم تفقد فقط ظلّها، بل تجاوزت ذلك إلى الفقد الكلّي للكائن وظلّه. سنتعلّم بالضرورة الفقد كحالة اِرتقاء إلى حين ينكسر الضوء ويعود إلى حضن أمه دفعةً واحدة .

 

ــ في تقديرك، إلى أين يمضي النص الجديد في بلد لم يعد يكترث للضوء؟

حين نتحدث عن الأشياء ينبغي أن تكون موجودة، وحين يجيء هذا المخلوق هو وحده سوف ينتج الضوء. الأشياء دائماً تجيء بأسبابها الوجودية، ثم من قال : إنّ العتمة سديمٌ نهائي، فهي التي سوف تنتج الضِد، فأنا لستُ أنا بغير أضدادي فأنتَ مثلًا لا ترى أنك ترى إلا متى ما رأيت السالك بيني وبيني بدون أن ينزّ دمٌ هنا أو هناك.

 

ــ في الذكرى العاشرة لرحيل الإنسان الثائر، الشاعر العظيم “محمود درويش”، ماذا تقول؟

عاش إنسانًا ومات أيضًا إنسانًا، فمحمود درويش كان ظاهرة شعرية في زمانه بخطابيته الصاخبة، وموسيقاه التي ملأتْ المشهد الشعري العربي، وأثَّرتْ في شعراء السبعينيات والثمانينيات، فلن نختلف عليه كمناضل وشاعر وفق مشروطية الزمن الذي عاش فيه .

 

ــ كم مضيت، وهل ما زلتَ تمضي؟

مضى من عمري جُلّ عمري، ما تبقّى من العمر ليس بالضرورة أنا، فالكائنات دائمًا حين تأتي فهي لا تعبُر الزمن إلا لتمضي؛ فنحن في لحظة الولادة نتجه بقوة إلى الموت وما نتركه خلفنا لا يعدو أن يكون ظلالاً متكسّرةً، وهذه حالة في قانون الوجود مشتركة بين المخلوقات .

 

ــ قُلتَ ذات مرة بأن الشعر أكثر فلسفة من التاريخ، كيف نفهم هذا الوميض؟

أنا لم أقل ذلك أيها الطيب، ما قال هذه الجملة هو (أفلاطون)، وأنا ناقل كُفْر، ولستُ بالضرورة كافر .

فالشعر عند أفلاطون: هو وحده الذي يعكس الحياة إجمالًا بتفاصيلها الدقيقة، ويسبرُ أغوارَ النفس البشرية.. أما التاريخ فينقلُ الحدثَ جافًا وجامدًا، وهذا يبدو كل شيء .

 

ــ في قصيدة له، يقول أدونيس : “أقسى السجون وأمرّها، تلك التي بلا جدران”، وأنت ماذا تقول؟

أقول بأن الحياة إجمالًا هي أسوأ سجنٍ ؛ أسواره تلك الأفكار البشعة التي سيّجتْ حركة الكائن في أطر وأنماط لا تتيح له حرية أن يرى ما يرى في الوقت الذي يرى. لهذا، فالجميل أدونيس متفائلٌ جدًا؛ كونه يعيش الحرية الكاملة التي لم نتمكن ولن نتمكن على المدى القريب والمتوسط من تفكيك شفرتها؛ فقد وضعَ باكرًا حدًّا بينه والآخر وأعلنَ «هذا هو اسمي».

 

ــ كشاعر له بصمته الحداثية الخاصة وتجربته الطويلة في فضاء القصيدة، ماذا يعني لك «الشعر»، وكذلك الجمهور المتلقي؟

أولًا، لا تعطني هذا التوصيف الذي لا أستحقه بأنَّ لي تجربة طويلة في التعاطي مع الشعر والحداثة الشعرية؛ فقط كل ما هنالك هو أنني أكتب لأتعرف على نفسي، وأكتب لأنني أراني في المكتوب، وأكتب لأنَّ الكتابة تنتشلني من هذا الرعب اليومي، وأكتب كيما أراك بغير مساحيق ولا أقنعة .

أما بالنسبة للجمهور فلا أرى فيه وجودًا يغريني؛ فالقارئ بالنسبة لي ميت؛ لهذا لا أضعه في اعتباري وأنا أكتب خاصةً أولئك الذين يقرؤون النصوصَ الشعرية وهم مستلقون على الأسرّة- فمثل هؤلاء هم مسوخٌ لا أكثر، ومستهلكون لكل شيء عدا الجمال .

 

ــ هكذا جرتْ وتجري العادة على مدى تاريخ الشعر: الشعراء الحقيقيّون أكثر من غيرهم عرضة  للتهميش والهجوم، كيف تُفسِّر لنا ذلك من وجهة نظرك؟

 

الأشياء هنا لا تحتاج إلى تفسير زائد فأنت في عصر الإعلانات التي يمكنها أن تصنع من الحمار فنانًا (مع اِحترامي للحمار!)، وهذا ما يتبدّى أمامنا، أما أنت حين تكتب بمسؤولية خارج المركز الإعلامي فأنت لا تكتب لمثل هؤلاء السفلة وإنما تكتب لأزمانٍ وأجيال سوف تأتي بعد، فقد سأل أحدهم أبا تمام : لماذا لا تكتب ما يفهمه الناس ؟

فجاء رده : ولماذا لا يفهمني الناس!” ولم يُقرَأ أبو تمام  إلا في القرون المتأخرة، وعُرِفَتْ عظمته كشاعر، ولن تكون أنت استثناءً ما دمتَ منتجًا لفنٍ جاد أما من يبحثون عن الشهرة فهم ليسو أكثر من ذباب يتساقطون على جيف الضوء الخادع .

 

ــ منذُ متى لم تلتقِ بنفسك؟

حين جئت إلى هذا العالم صرختُ باكيًا فقد هالني ما أبصرت من بشاعة الكائنات، فلم أتمكن من التعرف على نفسي وحتى الآن تضخمت البشاعة في المخلوقات، فسحبتْ نفسها على وعيي، فما زلتُ غير قادر على فعل ذلك .

إذَن، فأنا مخلوق فائض أجهلُنِي وأجهلُ أنني جاهل، ومع ذلك أحاول أن أقوم بهذا الفعل المعرفي غير أنني كل مرة قمت بذلك أسقط على وجهي وأغيب لزمنٍ لست أعرفه.

 

ــ «الكلام تحرَّكَ في الماء» و«مسحوق التعب اليومي»،… ثم ماذا؟

لا شيء بعد، عدا كتاب كنتُ أظنّه نص سردي روائي إبتلعتْهُ النارُ ثمنًا لكأس شاي شربتها ثم نمتُ ومُزِّقَ هنا وهناك تائهًا بين أشيائي .

ربما خرجت في زمنٍ سوف تقرأني عن بعد وهذا كل شيء .

 

ــ أيهما يقتلك أكثر: الحب أم الموت؟

كلاهما مبتذلٌ كالآخر، وهل أنا عائشٌ كي أموت أو أحب؟! أنا وأنت والآخر نسخٌ مكررة عن نموذج غير مرئي، فلا موت يقتلنا ولا حب يفرحنا.. نحن أصداء معلقة بين هذين المفهومين اللذَين لا يقصدان الصدى وإلاّ سنتوه بتفاصيل ستحملنا بالضرورة إلى الخراب الذي يعني الحقيقة المطلقة. سنكون هناك حقيقيين وليس نسخًا مزيفة كما هي حالتنا الآن .

 

ــ تعلقك المجنون بالشعر، لم يسمح لك بالعبور إلى عالم الرواية- هكذا أظن؟

الشعر بالنسبة لي لغة مجنونة تفيض عليّ بمائها الحزين، وتعطيني معنًا وجوديًا كيما أقول ما قاله أدونيس:(هذا هو اسمي)، والرواية متاهاتٌ طويلة أحنُّ إليها بعشقٍ غزير، وقد كنتُ جربتها لولا نار الموقد التي التهمتْ منّي سنةً من العمر، غير أنها كانت عادلة فقد عوضتني بفنجان شاي. أختصر المسألة هنا وأقول بأنني عاشقٌ لكليهما، ولستُ محترفًا، وهذا بالضرورة يكفيني .

 

ــ ذكّرني الآن عن أجمل موقف صادفته أو صادفك فيما مضى منك؟

يمكنك إعتبار حياتي كلها صدفة. لم أخطط أبدًا في حياتي لشيء، حين أنجبتني أمي كان ذلك صدفة، وحين دخلتُ إلى مدينة (تَعِز) كان صدفة أيضًا، وحين ألتحقتُ في المدرسة لأتعلمَ كان محض صدفة. قرأتُ (جبران خليل جبران، نجيب محفوظ، عبدالحميد جودة السحار، محمد عبد الولي، وغيرهم..)، قبل أن أكملَ الإبتدائية، كان ذلك أيضًا صدفة؛ فعلِقتْ الصدفة في رأسي وفي ذهني.. تزوجتُ أيضًا صدفة وأنجبتُ أطفالًا بالمصادفة.

لم يحدث شيء في حياتي غير اِعتيادي للخوف من الأشياء المبهمة أو موت حبيبتي في السجن مقتولة، أو تعرضي للموت أكثر من مرة .

كل شيء صار في حياتي اِعتيادي؛ لم يدهشني شيء في هذه الحياة عدا هذه الأسئلة التي أخرجتني من الصمت الذي ألفته وألفني. سأشكرك في يومٍ ما وألعن نفسي.

 

ــ أقربهم وأحبهم إليك عندما يتعلق الأمر بالشعراء؟

– الشعراء مجاميع سفلة لا ينْمُوْنَ إلا في الوحل، ألسنتهم هناك تتمدد فتلعق أحذية العابرين لهذا ترى حذاءك يتآكل من مؤخرته بفعل ما تفرز من مادة حمضية .

اِحضنْ حذاءكَ بشدة فهو رفيق مهم في حياتك؛ على الأقل لا يضايقك في الحمامات العامة، ولا يضيق عليك كما يفعل الشعراء .

 

ــ بدأتْ صحتك بالتدهور منذُ حوالي عام كما قِيلَ لي، ماذا حدث.. وما حالك الآن؟

ما حدث ليس خارجًا عن ما هو اِعتيادي، مجموعة جلطات أنتجها هذا القلبُ النتن فأكلتْ نصف دماغي، صرتُ بعدها بجنبٍ واحدٍ أعيش وهنا المعجزة!

أجمل ما مر عليّ خلال هذه السنة والنصف أنّ دماغي عمل لذاته (delete) ذاتي، فصرتُ خفيفًا أحلّق كما لو كنت طائر، ورشيقًا كراقص محترف .

رحلتْ عنّي الأسماء التي أثقلتني طويلًا، واللغة والشعر.. أجمل ما في هذه الأشياء أنني تحررتُ من نفسي ومن أصدقاء كانوا يكتظّون داخل رأسي، شكرًا للجلطات وأشكرك أيضًا.

 

ــ أخيرًا، سأترك لك الكلمة الأخيرة، قل ما تشاء.

هذه الحرية التي أعطيتني إياها جعلتني تائهًا في البراري

ما الذي عساني أقول؟

هل أحكي عنّي أم عنك أم عنهم

أم عن البلد الذي تآكلت أطرافه ،

وبُقِرَتْ بطنه..

أم عن عصابات الحرب وتجارها الجميلين

أم عن الشعر الذي يأكلني ؟!

لكنني سوف أحكي لك عن كل هذا

وعن جارتي الأربعينية

التي أيقظت فيّ كل هذا الجنون،

وأوصدت عليّ بابها

تغتصبني كل ليلة

وتنسى في الصباح رضابها في فمي،

وأسقط

ستسقط أنت أيضًا

ويسقط الباب..     .

ويسقط الشعر في ضحكتها.

حين تسكر المدينة

لن يكون هناك شيء

عدا الجمال والموت

في قصيدة (ابن زريق البغدادي)

سأخرج من هذا الهراء كله

إلى الرهان على المستقبل؛

فالقادم سيأتي بشعراء ينتجون لغة أخرى للجمال، وهذا ما يجبرني على البقاء بانتظار ما سوف يأتي.

وداعًا..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*