لم يَبقَ إِلَّا أَنتَ يا شِعرُ

 

لم يَبقَ إِلَّا أَنتَ يا شِعرُ
كم – إِن قَبِلْتُ بِبَيعِكَ – السِّعرُ؟!

رَحَلَ الكثيرُ.. وأَنتَ يَبدَأُ بي
عَجزٌ لديكَ، ويَنتَهي صَدرُ

رَحَلَ الجَميعُ.. وأَنتَ تَنكزني
بِأَصابعي، وتقولُ: ما الأَمرُ؟!

رَحَلَ الرَّحيلُ.. وما رَحَلتَ ولا
دَنَت القيامةُ أَو نأى السَّطرُ

يا شِعرُ حَسبيَ أَنتَ، أَسأَلُهُ
ويُجيبُني، إِن قَهقَهَ القَهرُ

وأَنامُ.. كيف يَنامُ ذُو قَلَقٍ
بَين السماءِ وبينه ثَأرُ!

وإِلَامَ يَمكثُ فيكَ مُغتربًا
طُولُ البِلادِ بِعَينِه شِبرُ؟

ما زلت تَحفِرُ في الجدار، وقد
قُتِلَ الغُلامُ، وأَلْحَدَ الخِضرُ

وعلى سَفينَتِنا قراصنةٌ
يَتَصارعون، ولم يَعُد بَحرُ

البَحرُ ماتَ أَسًى وجَعجَعةً
ما عادَ إلا المَدُّ والجَزرُ

والجَوُّ مُختَرَقُ الأَمانِ، فلا
امرأةٌ يَطِيرُ بها ولا نَسرُ

والأَرضُ مُمسِكةٌ بِصُرَّتِها
خَوفَ السُّقوطِ، وقد عَلا القَعرُ

وعلى القذيفةِ لا جَدِيدَ، سوى
وَطَنٍ يَضِيقُ كأنه قَبرُ

وإِلى انتِظارِ يَدٍ تُطَبِّبُهُ
ذَبُلَت يَدَاهُ، وقُوِّسَ الظَّهرُ

..

جَثَمَ الغُبارُ.. فلم يَعُد أَحَدٌ
في البالِ، لا زَيدٌ، ولا عَمرُو

وذَوَى السُّؤالُ، وما إِجابَتُهُ
إِلَّا الطوى، وأَصابعٌ عَشرُ

ذَهَبَ اللّصوصُ.. أَتى اللُّصوصُ.. لنا
في الحالَتَينِ: المَوتُ والفَقرُ

ومَن استَقَرَّ بهِ البَقاءُ بَكى
خوفَ الرَّحيل إذا انتهى الشَّهرُ

سِجنُ البلادِ هو الكبيرُ بها
لا الأَمنُ يَكبُرُهُ، ولا الذُّعرُ

وهنا البلادُ -كحالِها- امرأَةٌ
تَطهُو الحَصَى وفُؤادُها قِدرُ

ما في الشُّروقِ -ولا الغُروبِ- لها
أَملٌ، ولا لِظَلامِها فَجرُ

صارَ المَساءُ إلى المَساءِ، وما
أَحدٌ أَحَسَّ بأنه الحَشرُ!

..

عُمرُ الأَسَى سَيطولُ، دُونَ غَدٍ
يُنهِيهِ، لا يُنهِي الأَسى الصَّبرُ

لا عُمرَ لِلجَسَدِ الجَريحِ إذا
دَمُهُ لِكُلِّ رصاصةٍ عُمرُ

وإذا تكالبت الحُروبُ على
شَعبٍ فليس لِصَومِهِ أَجرُ

إن قُلتَ لي -يا شِعرُ- لستَ مَعي
فيما أَقُولُ.. فَقُل متى النَّصرُ؟

أَوَلَستَ مَن رَفَعَ الشِّراعَ على
ظَهري، وقال: عَدُوُّكَ الظَّهرُ

أَوَلَستَ مَن سَهِرَ اللَّياليَ في
رَأسِي، إلى أن أَورَقَ الجَمرُ

الحَربُ جائعةٌ.. إذا دَخَلَت
بَلَدًا، أَقامَ وأَنجَبَ الكُفرُ

ماذا تقول إذَن إذا زعمت
أُمُّ النجاسةِ أنها الطهرُ؟

فاز اللصوصُ بكل معركةٍ
وأنا وأنتَ -كما تَرى- صفرُ

ما لِلبقاءِ “لِمن أَرادَ” يَدٌ
إنّ الغيابَ لِأهلِهِ عُذرُ

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*